23 يناير 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: مهارة وضع الأهداف

ونحن على مشارف انتهاء عامٍ كامل بكل ما حمله من تجارب، وانفتاح عامٍ جديد يلوّح لنا بوعودٍ غير مكتوبة، تصبح الوقفة مع الذات ضرورة لا ترفًا. 

في هذه المساحة الفاصلة بين ما كان وما سيكون، تبرز مهارة أساسية تشبه البوصلة في يد المسافر: مهارة وضع الأهداف، فهي ليست مجرد قائمة أمنيات، ولا عناوين عريضة نكتبها في دفاترنا، بل وعيٌ عميق بالاتجاه، واتفاق صادق مع النفس على أن نعيش العام القادم بقدر أكبر من القصد والمعنى.

تحديد الأهداف يمنح الحياة شكلًا أوضح، ويخرج الإنسان من دائرة الدوران في المكان ذاته، حين نضع هدفًا، فإننا نمنح أيامنا سببًا للاستيقاظ بشغف، ونحوّل الوقت من عبءٍ ثقيل إلى موردٍ ثمين.

الأهداف الواضحة تقلل التشتت، وتزيد التركيز، وتمنح الشعور بالإنجاز حتى في الخطوات الصغيرة، كما أنها تعزز الثقة بالنفس، لأن كل هدف يتحقق، مهما بدا بسيطًا، يضيف لبنة جديدة في بناء الإيمان بالقدرة والجدارة، والأهم من ذلك أن الأهداف تجعلنا أكثر وعيًا باختياراتنا، فنقول “نعم” لما يخدم مسارنا، و“لا” لما يبدد طاقتنا.

غير أن الأهداف لا تؤتي ثمارها لمجرد أنها كُتبت، بل يجب أن تكون أهدافًا ذكية، والذكاء هنا لا يعني التعقيد، بل الوضوح والواقعية، الهدف الذكي هو هدف محدد لا يحتمل التأويل، قابل للقياس حتى نعرف أين نحن، واقعي يتناسب مع إمكاناتنا وظروفنا، مرتبط بزمن يمنع التسويف، وله قيمة ومعنى حقيقيان في حياتنا. 

حين تكون الأهداف ذكية، تتحول من أحلام معلّقة إلى خطط قابلة للتنفيذ، ومن حماس مؤقت إلى التزام طويل النفس.

وضع الأهداف يلعب دورًا محوريًا في حياة القائد؛ فالقائد بلا أهداف واضحة يشبه من يقود سفينة بلا وجهة، الأهداف تمنح القائد رؤية، وتساعده على توحيد جهود الفريق حول غاية مشتركة، وتسهّل اتخاذ القرار في المواقف المعقدة، والقائد الذي يعرف إلى أين يتجه، يستطيع أن يُلهم من حوله، وأن يقيس التقدم، وأن يعالج الانحراف قبل أن يتسع، كما أن الأهداف الواضحة تعزز المصداقية، لأن الفريق يرى أثر التخطيط في النتائج.

أما الموظف، فإن وضع الأهداف يخرجه من نمط العمل الروتيني إلى العمل الواعي، فحين يحدد الموظف أهدافه المهنية، يصبح أكثر التزامًا، وأكثر حرصًا على تطوير مهاراته، وأكثر قدرة على إدارة وقته، والأهداف تحوّل الوظيفة من مجرد مصدر دخل إلى مسار نمو، وتمنح الموظف إحساسًا بالسيطرة على مستقبله المهني بدل أن يكون أسير الظروف أو الانتظار.

وفي حياة الطالب، تشكّل الأهداف حجر الأساس للنجاح، الطالب الذي يعرف ماذا يريد ولماذا يدرس، يكون أكثر انضباطًا وأعلى دافعية، فالأهداف الدراسية تساعد على تنظيم الجهد، وتخفف من القلق، وتحوّل الدراسة من عبء ثقيل إلى وسيلة للوصول، كما تعلّم الطالب مهارة التخطيط المبكر وتحمل المسؤولية، وهي مهارات تمتد فائدتها إلى ما بعد مقاعد الدراسة.

ولا يقل أثر وضع الأهداف أهمية على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع. على مستوى الفرد، تمنح الأهداف معنى للحياة، وتساعد على تحقيق التوازن بين الجوانب الشخصية والمهنية والروحية. 

داخل الأسرة، تسهم الأهداف المشتركة في تعزيز الترابط، وتوضيح الأولويات، وبناء بيئة داعمة للنمو والاستقرار، أما على مستوى المجتمع، فالأفراد الذين يملكون أهدافًا واضحة يكونون أكثر إنتاجية، وأكثر وعيًا بدورهم، وأقدر على الإسهام في التنمية والتقدم.

مع بداية عام جديد، لسنا بحاجة إلى وعود كبيرة بقدر حاجتنا إلى أهداف صادقة، أهداف نكتبها بوعي، ونراجعها بشجاعة، ونسير نحوها بثبات حتى وإن تعثرنا، فالأعوام لا تتغير وحدها، نحن من نغيّرها حين نمتلك وضوح الهدف، وجرأة البداية، وصبر الاستمرار. 

ومهارة وضع الأهداف ليست مهارة عابرة، بل أسلوب حياة يعلّمنا أن نعيش بقصد، لا بالصدفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE