23 يناير 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: القيادة الهادفة والتمكين

في عالم تتسارع فيه المتغيرات وتتعاظم فيه التحديات، لم تعد القيادة مجرد موقع إداري أو سلطة تنظيمية، بل أصبحت رسالة ذات معنى، ومسؤولية أخلاقية، وقدرة على إيقاظ الطاقات الكامنة في الآخرين. 

من هنا برزت القيادة الهادفة والتمكين كأهم المهارات القيادية المطلوبة في العصر الحديث، لأنهما لا تركزان على ما يُنجَز فقط، بل على لماذا ننجز، ومن ينمو معنا أثناء الإنجاز.

القيادة الهادفة هي ذلك النمط من القيادة الذي ينطلق من رؤية واضحة وقيم راسخة، حيث يقود القائد لأنه يؤمن بالغاية قبل أن يسعى للنتيجة، فالقائد الهادف لا يحرّك فريقه بالأوامر، بل بالإقناع، ولا يطلب الجهد لمجرد الأداء، بل يربط العمل بمعنى أسمى يشعر معه الفرد بقيمته ودوره الحقيقي. إنها قيادة ترى الإنسان قبل المهمة، وتؤمن بأن الأثر الباقي أهم من الإنجاز العابر.

أما التمكين، فهو عملية واعية ومدروسة تهدف إلى منح الأفراد الثقة، والقدرة، والصلاحية، والمساحة الآمنة لاتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، فالتمكين لا يعني ترك الأمور بلا توجيه، بل هو مزيج متوازن بين الدعم والمساءلة، بين الثقة والمتابعة، بحيث يشعر الفرد أنه شريك في النجاح لا مجرد منفذ للتعليمات.

العلاقة بين القيادة الهادفة والتمكين علاقة تكامل لا انفصال، فالقيادة الهادفة تخلق المعنى، والتمكين يترجم هذا المعنى إلى ممارسة واقعية، والقائد الهادف يدرك أن رؤيته لن تتحقق إلا إذا امتلك فريقه الأدوات والحرية والثقة اللازمة للإبداع.

وبالمقابل، لا يمكن للتمكين أن ينجح دون قيادة واعية تحميه من الفوضى وتوجهه نحو الهدف الصحيح. فحيثما وُجد الهدف الواضح، ازدهر التمكين، وحيثما مُنح الأفراد الثقة، تجسدت القيادة الحقيقية.

تكمن أهمية القيادة الهادفة في قدرتها على بناء الولاء والانتماء، ورفع مستوى الدافعية الداخلية، وتحويل العمل من واجب ثقيل إلى رسالة مشتركة، وهي تمنح المؤسسات استقرارًا أخلاقيًا، وتخلق ثقافة إيجابية قادرة على الصمود أمام الأزمات، أما التمكين، فتظهر أهميته في تعزيز الابتكار، وتسريع اتخاذ القرار، وبناء قيادات مستقبلية قادرة على الاستمرار، بدل الاعتماد على شخص واحد أو عقل واحد.

تنمية القيادة الهادفة تبدأ من الداخل، من وعي القائد بذاته وقيمه ودوافعه الحقيقية. فالقائد الذي لا يعرف لماذا يقود، لن يعرف إلى أين يقود الآخرين. ثم تأتي مرحلة بناء الرؤية الواضحة القابلة للفهم والمشاركة، والتواصل الصادق الذي يربط بين الأهداف التنظيمية واحتياجات الأفراد، كما تتطلب القيادة الهادفة ممارسة التعاطف، والاستماع العميق، والقدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية حتى في أصعب الظروف.

أما تحقيق التمكين، فيبدأ ببناء الثقة المتبادلة، وتوفير التدريب المستمر، وتوضيح الصلاحيات والمسؤوليات، ومنح مساحة آمنة للتجربة والخطأ دون خوف من العقاب، كما يتطلب التمكين إشراك الأفراد في صناعة القرار، والاعتراف بجهودهم، وتقدير أفكارهم، وعدم احتكار المعرفة أو السلطة.

وتتجلى هذه المفاهيم في أمثلة عديدة من الواقع العملي؛ فقائد الفريق الذي يشارك فريقه أسباب التغيير قبل فرضه، ويدعوهم للمساهمة في الحلول، يمارس قيادة هادفة، والمدير الذي يمنح موظفيه حرية اقتراح المبادرات وتنفيذها، ويقف داعمًا لهم عند الخطأ قبل النجاح، يطبق التمكين بأبهى صوره، والمعلم الذي يزرع في طلابه معنى التعلم لا مجرد الدرجات، ثم يمنحهم الثقة للتعبير والتجربة، يجمع بين القيادة الهادفة والتمكين في آن واحد.

في الختام، يمكن القول إن القيادة الهادفة والتمكين ليسا مهارتين منفصلتين، بل فلسفة قيادة متكاملة تصنع الإنسان قبل الإنجاز، وتبني الأثر قبل النتائج. وحين يقود القائد بهدف، ويمكّن من حوله بثقة، تتحول المؤسسات إلى بيئات حية، ويصبح النجاح رحلة جماعية لا إنجازًا فرديًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE