كما نفهم نحن الأشياء بطريقة التمازج، وخلافًا لما هو سائد؛ الكذب ليس عكسًا للحقيقة؛ إنّه يتداخل معها، بحيث يكون كذبًا حين لا تكون الحقيقة ماثلة كما يريدها المُتلقّي، بل كما أرادها المتحدّث. غير أنّ مثول الحقيقة هذا، وهو يعني: صورة العرض التي يُراد منها أن تصل بالمتلقي إلى حدٍّ ما، يدفعه إلى الاعتقاد بأمر ما، لا يقف عند حدّ إخفاء تفاصيل أمر، بعضها أو كلّها، وإن كانت صورة الكذب هذه هي الرائجة أو الغالبة، أو حتى الوحيدة في عرف الناس.
لقد مرّ كلّ منكم بحالة إحباط، أوصلته إليها أصداء كلمات لطالما كانت موجّهًا ومُعينًا، حاول من خلالها اجتياز امتحانًا من امتحانات الدنيا، أو أزمةً من أزماتها، لكنّه تفاجأ بفشله، إحباطه هذا لم يكن وليدًا للصدفة، لقد كان ناتجًا عن سَيرٍه في طريق خاطئٍ، متوهّمٍ، ضلّ فيه هَديَهُ، حين رُسِمَت له الصورة بإيحاء الكلمات، ومعها الإيماءات والإشارات، التي كانت جزءًا من خطّة "إخراج مسرحيّ"، نَجَح صاحب "مروّج" الكلمات بطَبعِها في ذهنه - أي المُحبَط - حين استهوَته صورة، صنعها "الميل" مع هوى المجموع، والاختباء خلف الخوف من مجابهته.
ليس هذا وجهًا وحيدًا من أوجه الكذب، هناك وجه آخر أكثر "بشاعة" تحكيه حكايات "الوعّاظ، المنظّرين، الساسة، النشطاء، القادة... إلخ"، وهم يسوّقون قصص البذل والعطاء والتضحيات، حين يتربّع كل منهم فوق قاعدة "استحالة اختباره". كلّ واحدٍ منهم غير مستعدٍّ لإجراءِ امتحانٍ واحدٍ يمرُّ به غيره، بمعنى: أنّه غير مستعدٍّ لتحمّل مسؤولية كلامه، فكيف يُمكنه تحمّل ما هو أبعد من ذلك. مثلٌ بسيطٌ يمكنك عرضه مع ذاتك: كلّ الذين تحدّثوا عن الجوع يعيشون في القصور، كلّ الذين حرّضوا على الجهاد لم يموتوا في معركة، كلّ الذين تحدّثوا عن الوطنيّة لم يمرّ عليهم يوم دون عمل... إلخ. لم يجُع لحظةً ذاك الذي أشبّعك سردًا لقصص: ربط البطون بالأحجار، وهو لا يملك - كما غيره - دليلًا عليها، سوى صورة المسرح التي تحدّثنا عنها في مقابل استحالة فحص صدقها.
كلّ كلمات التضحيات وسردها حول: نقطة الصفر، المثابرة، الصبر، الأمل... إلخ، التي ينبغي للناس - وفقًا لرأي هؤلاء - أن يبدأوا منها، لا تُلزمهم وضع أنفسهم، أو من يخصّهم، عُرضةً لها؛ هذه للتسويق فقط.
بتطبيق حديثنا هذا في مثال عمليّ كالعادة، نقول: إنّه يفترض في المدرسة والجامعة وغيرها من مؤسّسات التعليم، أن تبعث في نفس المنتسبين إليها - سواء أكانوا طلبة أو مدرّسين أو غيرهم - قبل عقلهم، شيئًا جديدًا، لا تقتصر هذه الجِدّة على المعلومات، بل تتعدّاها إلى السلوك، وطريقة التفكير، والتعامل مع الذات والآخرين، كذلك الأحداث المحيطة بالنفس وغيرها. تطال هذه الجِدّة أيضًا كلّ ما ليس من مهمّة الأسرة، لا أن تنطلق منها، أي الأسرة.
لكنّ واقع الحال، الذي سيطر بفعل حالة "الكذب الحقيقي أو الحقيقة الكاذبة"، وهي التي قلنا إنّها: "صورة منظّمة بإخراج"، قَلَبَت الفكرة إلى غير مُرادها؛ فبدلًا من أن تعطي المدرسة والجامعة للأسرة، حدث العكس، حين يسير المعلّم - بغضّ النظر عن مكانه ومستواه - في خطّ السير الجماعي، الذي يخشى معه مخالفة السائد، أو يخالفه فعلًا، لكنّه لا يتحمّل مسؤولية ما يقول. يحدث حتمًا أن تنقلب هذه المؤسّسة إلى منبعٍ للجهل وليس التعلّم، للخداع وليس الصدق. المُسيطر هو: نَسَقُ الأسرة، بمعنى نسق المجتمع العام وطيفه الثابت بتراكم "خوف من جديد".
إذاً، ما هي حاجة كلّ هذا الحجم الضخم من المؤسّسات؟
وما هي حاجة الإنفاق على مجهود ينتهي بالإحباط؟
ألم تنسف دولٌ كلّ مناهجها بعد سقوط أنظمتها؟!
المشكلة ليست بنسف المنهج، باعتباره خطّةً تسويقيّةً لنظامِ الحكم السائد، بل في ضياعِ أجيالٍ، ومعها ملايين الأشخاص، بفعل "تصفير مخزونهم". من هنا نطلّ قليلًا على فكرتنا حول نشأة الجامعة، التي لم تكن - أساسًا في نظرنا - لبناء حضارة الدول. من بنى الحضارة هو المصنع، والمعمل، والورشة، والمشغل... إلخ، وليست المدارس والجامعات، التي لا تتعدّى مهمّتها جمع المعلومات وعرضها؛ هذا في عالم التحضّر لا غيره.
الذين ذكرهم التاريخ، وكانوا منارةً، هم من عملوا، "اخترعوا وصنعوا وفكّروا"، لا من درسوا. حتى في الفنون والآداب، لم تكن الجامعة هي أساس المعرفة والشهرة، لقد كان "مَعمَلُها"، وهو: المسرح وما شابهه، بل كان الرصيف أحيانًا، الذي أنتج معمله أهمّ لوحات العالم، وموسيقاه، وطهيه، وشرابه، وغير ذلك. غير أنّ طبيعة الشعوب وطريقة حكمها فرضت، في "بلاد التأخّر"، على هذه المؤسّسات مغادرة مهمّتها؛ لتنحصر في ترويج شرعيّة حكمها. حتى في مجالات الصناعة والتجارة وغيرها، كان الفضل للرؤية الحاكمة، لا لغيرها.
لهذا ضاعت كلّ الأحلام، ومعها السنون، لمجرّد سقوط نظام، حافظت فيه المدرسة والجامعة على تعاليم الأسرة، منطلقها، ومنتهاها، في بذل روحها من أجل الخوف، الخوف فقط.