تخطط اليابان لتنفيذ مهمة فضائية غير مسبوقة تهدف إلى جمع مواد من أحد أقمار المريخ وإعادتها إلى الأرض، في خطوة يُنتظر أن تفتح آفاقاً جديدة أمام العلماء لفهم نشأة الكوكب الأحمر وتاريخه الجيولوجي. وتستهدف المهمة، التي تمتد على مدار نحو خمس سنوات وتُقدّر تكلفتها بنحو 350 مليون دولار، إعادة عينات من بيئة المريخ إلى الأرض للمرة الأولى من نوعها.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، فإن المشروع الياباني يركز على دراسة «فوبوس»، أكبر قمري المريخ، من خلال تحليل عينات مباشرة من سطحه، بما يتيح للباحثين الحصول على بيانات يصعب الوصول إليها عبر الملاحظات الفضائية وحدها.
جمع 10 غرامات من الصخور والغبار
في إطار هذه المهمة، تتجه المركبة الفضائية اليابانية المعروفة باسم «استكشاف أقمار المريخ» (MMX) إلى قطع مسافة تُقدّر بنحو 300 مليون ميل للوصول إلى «فوبوس»، حيث تسعى إلى جمع ما لا يقل عن 10 غرامات من الغبار والصخور، تمهيداً لنقلها إلى الأرض.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية علمية كبيرة، إذ يُتوقع أن توفر العينات الأولى التي تُجمع مباشرة من محيط المريخ أدلة جديدة حول طبيعة الأقمار المحيطة به وتاريخ تكوّنها، فضلاً عن كشف معلومات إضافية عن الظروف التي سادت في المراحل المبكرة من تشكّل النظام الشمسي.
وفي هذا السياق، يأمل العلماء أن تساعد نتائج التحليل في حسم جدل علمي مستمر منذ عقود بشأن أصل «فوبوس»، وما إذا كان كويكباً التقطته جاذبية المريخ وأبقته في مداره، أم أنه تشكّل من مواد نتجت عن اصطدام ضخم تعرض له الكوكب الأحمر في الماضي.
ومن جانبها، أوضحت وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (JAXA) أن المهمة تستهدف استخدام الرصد الدقيق وتحليل العينات لفهم آلية تشكّل نظام المريخ والنظام الشمسي، والبحث في الظروف التي ربما أسهمت في ظهور الحياة، إلى جانب تطوير المعرفة والتقنيات اللازمة لمهمات مستقبلية في أعماق الفضاء.
صاروخ «H3» يحمل المركبة إلى الفضاء
وبحسب الجدول الزمني المعلن في التقرير، كان من المقرر إطلاق المركبة على متن صاروخ «H3» عند الساعة 8:41 مساءً بتوقيت لندن يوم الاثنين، من مركز تانيغاشيما الفضائي في اليابان.
وتضم المركبة ثلاثة أقسام رئيسية، صُمم كل منها لأداء مهمة محددة؛ إذ تتولى وحدة الدفع نقل المركبة إلى منطقة المريخ، فيما تضم وحدة الاستكشاف الأنظمة والمعدات المخصصة لجمع العينات، بينما تتكفل وحدة العودة بحمل المواد التي ستُجمع وإيصالها إلى الأرض.
وعقب الإطلاق، ستقضي المركبة سنوات في رحلتها عبر الفضاء قبل الوصول إلى نظام المريخ والدخول في مدار حول «فوبوس»، تمهيداً لبدء مراحل الاستكشاف وجمع العينات وفق الخطة الموضوعة.
مركبة جوالة بحجم فرن الميكروويف
وفي مرحلة تمهيدية مقررة مطلع عام 2029، من المنتظر أن تهبط مركبة جوالة صغيرة، يقارب حجمها حجم فرن الميكروويف، على سطح «فوبوس»، لتنفذ عمليات استكشاف تستمر نحو 100 يوم.
وخلال هذه الفترة، ستعمل المركبة على فحص تضاريس القمر وجمع المعلومات اللازمة لتحديد الموقع الأنسب لهبوط وحدة الاستكشاف الرئيسية، بما يعزز فرص نجاح عملية جمع العينات ويحد من المخاطر المرتبطة بالعمل على سطحه.
وبعد اختيار الموقع المناسب، ستنفذ المركبة الرئيسية عملية هبوط على «فوبوس»، لتبدأ جمع المواد خلال فترة تُقدّر بنحو ساعتين ونصف الساعة. ويسعى الفريق العلمي إلى الحصول على عينات من موقع واحد أو موقعين، بهدف إتاحة فرصة أوسع لدراسة اختلاف مكونات السطح وتركيبه.
نظامان لجمع العينات من سطح «فوبوس»
ولتنفيذ هذه المرحلة، زُوّدت المهمة بنظامين مخصصين لجمع المواد السطحية. ويعتمد النظام الأساسي، المعروف باسم «جامع العينات C»، على آلية تتيح الوصول إلى عمق يبلغ نحو 0.8 بوصة، أي قرابة سنتيمترين، لاستخراج مواد من طبقات سطحية أقل تعرضاً للإشعاع الشمسي المباشر.
أما الآلية البديلة، التي تحمل اسم «جامع العينات B»، فتستخدم دفعة من غاز النيتروجين لدفع الغبار والجسيمات الصخرية الصغيرة إلى داخل حجرة مخصصة لحفظ العينات، تمهيداً لنقلها إلى الأرض.
وإلى جانب أنظمة جمع المواد، تحمل المركبة 13 أداة علمية مصممة لدراسة «فوبوس» بصورة تفصيلية. وتشمل هذه المعدات كاميرات عالية الدقة لتصوير السطح وإعداد خرائط له، فضلاً عن مقياس ارتفاع يعمل بالليزر لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد يوضح شكل القمر وتضاريسه.
دراسة «ديموس» والعودة إلى الأرض عام 2031
ولا تقتصر أهداف المهمة على «فوبوس» وحده، إذ تتضمن الخطة أيضاً إجراء عمليات رصد عن بُعد للقمر الثاني للمريخ، «ديموس»، بهدف توسيع نطاق المعلومات المتاحة عن القمرين ومقارنتهما من الناحية العلمية.
وبعد الانتهاء من جمع ما لا يقل عن 10 غرامات من الغبار والصخور وإتمام عمليات الاستكشاف، ستبدأ المركبة رحلة العودة من نظام المريخ باتجاه الأرض، على أن تصل العينات وفق الجدول الزمني المتوقع خلال عام 2031.
ومن شأن نجاح المهمة أن يوفر للعلماء مادة مباشرة لدراسة أصل أقمار المريخ وتاريخها، كما قد يسهم في تحسين فهم تطور الكوكب الأحمر، ويمهد الطريق أمام مهمات أكثر تقدماً لاستكشاف الكواكب والأجرام السماوية في المستقبل.