30 أكتوبر 2026
د. راشد الشاشاني يكتب: في دائرة الضوء تُحرق سنوات العمر

ينطلق حديثنا اليوم من قصص ماثلةٍ في ذاكرة الناس، هذه القصص تأخذ مدىً عابراً للأجيال، ليست تلك التاريخيّة منها فقط، ولا حتى تلك التي حدثت منذ زمن ليس ببعيد، ولا هذه الحاضرة في زمن التخيّل وحدها. تتحدّث هذه القصص في مجموعها عن نجاح شخصٍ ما، أو فكرةٍ ما؛ يمكن للناس "وفقاً لفهمهم" تطبيقها والوصول إلى نتيجة مشابهة؛ تُغريهم فيها فكرة الظهور أو الشهرة، التي غالبا ما تتوّج بظهورٍ تلفزيونيٍّ أو ما سار في مساره، تحت عناوين قد تبدو برّاقة مثل: قصّة نجاح، رمز وطني، مكافح، وصول مجتهد، مناضل عنيد.. إلخ.

لن نركّز على مسألة اختلاف الناس في أدوارهم ومسارهم، وبالتالي أفكارهم، واختلاف النتائج الحاصلة بعد مقدّمات كل منهم عن الآخر؛ بقدر ما نسلّط الضوء على مسألة "اللّحاق بالغير"، هذه الفكرة السريعة؛ كوجبة ضارّة لا يتبعها الناس عادة لأنها طريقهم الأسهل في تحقيق أمنياتهم فقط، بل لأنّها – كما يتوّهمون – الأضمن، الأسرع، الأقلّ كلفة، الأعلى فائدة.

سعي هؤلاء نحو المضمون؛ الذي قُلنا بحقّه أنّه "متوّهم غير موجود بالمعنى المعروف للوهم والوجود عند الناس"، ناهيك عن أنّ تركّز مجموعة من الخصائص لفكرة ما عند الناس، يعني: أنّهم يستندون على إرث تاريخي كاذب، استمدّوه من أسلافهم ويسلّمونه إلى ذُريّاتِهم ومن حَولَهم كذلك؛ لهذا، قُلنا أنّ فكرة النجاحات "بطريقة شهرة قصّة النجاح" فكرة عابرة للأجيال.

النجاح لا يعرف البحث عن المضمون، من يبحثون عن الضمان خاسرون دائماً، المغامرون وحدهم من يفوزون؛ وإن كان في المغامرة مخاطرة وخسائر. المهمّ في مركز حديثنا هنا هو تصديق روايات مسموعة دون الاطلاع على تفاصيلها أو التأمّل فيها، بل حتّى في حالة الاطلاع؛ ليس هناك أدنى إدراك لمتاعب السير في هذه التفاصيل، ما يرونه هو "المشهد الأخير" دون ما يسبقه من سقطات أو عثرات، ربّما كان المشهد برمّته مزيّفاً، مرّة بطريقة إخراجِه وأخرى بطريقةِ فَهمِ الناسِ له. ومع نقص الإدراك هذا؛ هناك غيابٌ تامٌّ عن مكاسِبِ ومَغارِمِ مثل هذه النتائج.

على أيّة حال؛ الناجحون لا يستمعون إلى قصص التاريخ ولا قصص الآخرين ولو كانوا حاضرين معهم، من يرون في ظهورهم على شاشة فضائيّةٍ أو مسرحِ تكريمٍ بجائزةٍ ما هدفاً سامياً؛ يُصابون على الدوام "بضربةٍ نفسية" تشكّل لهم صدمة انكشاف "وهم الوصول". لقد كانوا يرون "سماوات، فراشات، شمس مع شلالات، حرس يصطفّ على جانبي رحلة الطيران هذه بعد ظهور الشهرة... إلخ"، لكن سرعان ما تنكشف حقيقة صرف سنواتٍ طويلةٍ في ملاحقة سراب كهذا؛ خسِرَ معها ما كانَ من نصيبِهِ في صندوق فُرصِ الدنيا.

الشبع من قصص التاريخ والتمثّل بالآخرين؛ سواء أكانوا شخصيّات تاريخيّة أم معاصرة؛ لا يعني سوى إشعال محرقة وقودها سنوات العمر، عليك تجنّبها، والانحياز في صفّ شأنك الذي يتوّجُكَ ليل نهار في مكانِك الذي تصرف له انتباهك الموافق لهواك؛ بعيداً عن رأي الناس.

على أن تفهم أنّ رأي الناس هذا ليس ما تسمعه ممّن يوجّه لك نصيحةً بعد طلبها، أو نقداً بعد عمل شابه نقص، أو لوماً بعد تصرّفٍ أخطأ بعض طريقه... إلخ فقط. بل الرأي الأهمّ: ما توثّقه في ذهنك قصص التاريخ التي بُنيت فوق أهواء من أرادوها، في معظمهم – إن لم يكن كلّهم – كان ضحيّة "وهم الوصول" هذا؛ لكن كلّ من اتجاه مصلحته، سواء أكانت بتسويق القصّة أو بالفرار إليها لإخفاء عجزه.

لا يقتصر وَهمُ الوصول وفق مفهومنا هذا على ذاتك، بل يشمل آمالك التي تعلّقها على الآخرين، ولو كانوا من ذويك، كما يشمل آمال الآخرين التي يعلّقونها على عاتقك، حين يطلبون منك – بتقاعسهم – ما ليس من أمرك، بمعنى يسألونك ما عجزوا عن فعله، فحين تسمع قصّة تحفيز من أحد هؤلاء أو غيرهم؛ اسأله: لماذا لم تفعل ذلك أنت طالما أنّك تعرف الوصفة جيّدا؟!

انتبه أنّ هؤلاء دائماً يقاومون رغبتك في أمر ما، ويسعون إلى أن تحيد إلى آخر.

خلاصة فكرتنا هذه: أنّنا لم نرَ في إشاعة صورة تاريخيّة، أو بطولة حاليّة؛ إلّا استقواءً لضعيفٍ أمام من يفوقونَه مكانةً، قوّة، حضوراً، شوكة... إلخ. لهذا؛ فهي لا تُعطيكم صورةً صادقةً حول توجيه الهدف، كما لا تمنحكم مدادَ مسؤوليّةٍ تَحَمَّلَها صاحِبُها، قصصُ التاريخِ كلّها ليست واقعيّةً؛ وإن وقَعت كذلك؛ كان نقلُها وإخراجها غير ذلك، فالشيء يحوز كيانه بذاتِهِ، فإن خرَج منه في المكان أو الزمان أو الحدث تغيّر.

اتركوا "دائرة الضوء"، "ذروة الوصول"، "برج النهاية"، "تصفيق الجماهير"، "تعاطف العامّة"، "نموذجاً يُحتذى". أحبّوا عملكم واعملوه، واعملوا وأحبّوا عملكم، ثمّ اعملوا وأحبّوا عملكم، ثمّ اعملوا وأحبّوا عملكم.

لا تنتظروا لحظة الراحة مهما كان شكلها أو مداها، فهي: الموت بمعناه الذي لا يفهمه الناس إلا حين يفوت الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE