نقف اليوم في الخليج العربي أمام منطقة انتقالية حساسة؛ لا هي استمرار كما الماضي ولا هي قطيعة معه، بل إعادة تشكيل لمعادلات القوة في ظل حروب مظلمة أرادت أن تجعل من منطقتنا ساحة استنزاف مفتوحة، بينما اختارت إرادتنا الوطنية أن تُضيء شعلة الفطرة وأن تتمسك بالأصالة كبيئة مثالية للإنسان، لتكون هي البوصلة التي تنير الجسور.
فنحن لا يمكن أن نشارك في محرقة التاريخ، بل نختار المسار الذي يحمي الكيان ويوجهنا نحو نور البيوت العامرة بالقيم، وإذا قررت قياداتنا في الخليج، وفي الإمارات خصوصاً، أن يكون الخليج منصة بناء لا ساحة معارك، وجسر تواصل لا خندقاً يثير القطيعة، فإن موازين القوى الاستثنائية تتحول من سؤال: كيف نُمسك بخناق المضائق؟ إلى: كيف نصنع حلقات استقرار حولها؟
في قلب هذه الرؤية يتغير تعريف القوة من منطق السيطرة على المضيق إلى منطق التأثير في محيطه، حيث لم تعد القوة الحديثة تعني إغلاق الممرات، بل القدرة على جعلها آمنة للجميع كمسؤولية واستراتيجية.
فالهدف ليس أن تتحكم بالمضيق، بل أن تصبح الدولة ضامناً موثوقاً لاستقراره، لتقول الإمارات والخليج للعالم إن مرورك من هنا آمن، لأن استقرار هذا الممر جزء من أمننا نحن قبل أن يكون جزءاً من تجارتك، ومن هنا ينفتح باب التفكير في طوق اقتصادي بدل طوق عسكري حول المضيق.
فبدل أن تبقى نقطة المرور البحرية الواحدة أداة للضغط والتجاذب، يجري العمل على تعزيز الموانئ البديلة وتنويع طرق الطاقة، بحيث يتحول المضيق من نقطة حرجة إلى خيار ضمن شبكة أوسع من البدائل التي تنزع عنه صفة الورقة الأخيرة، وتحوّله من سلاح في يد الآخرين إلى جزء من معادلة أوسع تتحكم فيها حسابات الاقتصاد لا انفعالات السلاح.
وفي موازاة ذلك، يتقدم مفهوم التحالفات الذكية، حيث إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليس مجرد بروتوكول، بل منصة لبناء موقف موحد يحفظ أمن الملاحة دون الانجرار إلى حروب الآخرين، ليكون الخليج وسيط استقرار يملك القدرة على الجمع بين القوة والحسم والحزم حول مصلحة بقاء طرق التجارة مفتوحة وآمنة.
وحول المضيق أيضاً، تنشأ حلقة تحكم غير مرئية تقودها التكنولوجيا، من أنظمة مراقبة وذكاء اصطناعي يحول البحر إلى فضاء بيانات بقدر ما هو فضاء أمواج تتلاطم لتنذرنا نحن أبناء المنطقة الذين نعلم يقيناً عناوين وجهتها، وهنا تترسخ القوة الناعمة البحرية التي تجعل اسمنا مقروناً بالأمان والاستقرار، فيمتلك الخليج نوعاً من التحكم لا يحتاج إلى حشد الجيوش، بل يفرض احترامه بالتنظيم والقانون.
كل ذلك لا ينفصل عن المشهد الداخلي، حيث تبدأ حلقات الاستقرار من مجلس الأسرة قبل أن تصل إلى المضيق، بقيادة لا تحضر في مجالسنا فقط بصورها في صدر المجلس، بل تحضر قبل ذلك في طريقة الحوار ونمط التفكير وفي تعريف كل ابن وبنت لأنفسهم بوصفهم جزءاً من مشروع وطني أكبر من حدود البيت.
فنحن نستحضر كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وهو يؤكد أن تمكين الأسرة «أولوية وطنية» وأن الاستثمار فيها هو استثمار في مستقبل الإمارات؛ وهذه ليست عبارة بروتوكولية، بل هي خارطة طريق تُرجمت إلى سياسات ولغة يومية تتردّد في البيوت.
فحين يتحدث الأب في المجلس عن حب الوطن فهو لا يردد شعاراً، بل يعيد إنتاج رؤية قيادة ربطت بين قوة الدولة وقوة الأسرة وبين صلابة الجبهة الداخلية وقدرة الخليج على التماسك في وجه أزمات الطاقة والحروب المحيطة، وفي كل مرة تُطلب من الأسرة الإماراتية مرونة في مواجهة التغيرات الاقتصادية أو الوظيفية أو التعليمية فإن الاستجابة تأتي أسهل لأن الجسر بين القيادة والمجلس العائلي لغة تحمل خلاصة الاهتمام.
هكذا يمكن تلخيص اللحظة الخليجية الراهنة في معادلة بسيطة وعميقة: حروب مظلمة أرادت أن تعمّق الشروخ، وإرادة مضيئة اختارت أن تبني الجسور، ما بين مجلس أسرة في بيت إماراتي، ومائدة رمضانية يجلس عليها شيخ وقريب وفقير ومواطن بسيط، وجسر جديد يربط بين ضفتين.
تتشكل حكاية الخليج الجديدة؛ حكاية لا تنكر العواصف، لكنها لا تسمح لها أن تطفئ شعلة الفطرة، تلك الشعلة التي نريد لها أن تظل تتوج الشعب في صميم فكرة واحدة: أن المستقبل يُصنع حين نتمسك بإنسانيتنا ونحن نبني الجسور، لا حين نفقدها أو نهدمها.
إن هذه المجالس هي معامل هوية دولية المعيار وصحراوية القيادة، تُنشئ المواطن الذي يفهم أن أمن المضيق يبدأ من أمن البيت، وأن قوة الدولة هي انعكاس لقوة النسيج الاجتماعي الذي يقف خلفها، هكذا تُرسم ملامح مرحلة خليجية جديدة بإرادة مضيئة تبني الجسور في زمن العواصف، فقد علمني زايد أن النجاح الحقيقي يرتبط بالتعاون والاتحاد؛ لأننا نبع سامٍ وموازين اتحاد ورسالة شهد التاريخ على مقامها، لنجدد الإيمان التام بأن الكلمة هي أثمن إعلام، وبأن حركتنا الوطنية تمضي بنور الله ثم حب الوطن وعزة الإرادة وحكمة رئيس الدولة.