منذ أن عرفت البشرية التنظيم والإدارة، كان المنصب وسيلة لتحقيق غاية نبيلة، تتمثل في قيادة الناس، وتنظيم العمل، وتحقيق الإنجازات، غير أن بعض القادة، مع مرور الوقت، ينقلب لديهم المفهوم؛ فيتحول المنصب من وسيلة إلى غاية، ومن مسؤولية إلى امتياز، ومن تكليف إلى تشبث لا يريدون التفريط فيه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالمؤسسات لا تضعف عندما يغادرها القادة، وإنما تضعف عندما يصبح بقاؤهم هو الغاية، وعندما ترتبط المؤسسة بأشخاص أكثر من ارتباطها بالأنظمة والقيم. فالقائد الحقيقي يبني مؤسسة تستطيع الاستمرار بعده، أما القائد الذي يجعل نفسه محور كل شيء فإنه، من حيث لا يشعر، يبني مؤسسة هشة تعتمد على وجوده وحده.
إن التمسك بالكرسي ليس مجرد سلوك فردي، بل ظاهرة إدارية ونفسية وتنظيمية لها أسبابها وآثارها، وتنعكس على القائد نفسه، وعلى العاملين، وعلى مستقبل المؤسسة بأكملها.
لماذا يتمسك بعض القادة بالمناصب؟
تختلف الدوافع من شخص إلى آخر، لكنها غالبًا تجتمع في مجموعة من العوامل النفسية والإدارية والاجتماعية.
أولها الخوف من فقدان المكانة الاجتماعية. فكثير من الأشخاص يربطون قيمتهم الإنسانية بالمنصب الذي يشغلونه، فإذا غادروا المنصب شعروا بأنهم فقدوا احترام الآخرين، مع أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن فيما يتركه من أثر، لا فيما يحمله من لقب.
وثانيها حب السلطة والنفوذ. فالسلطة تمنح صاحبها القدرة على اتخاذ القرار والتأثير في الآخرين، وقد يتحول هذا الشعور مع الزمن إلى إدمان نفسي يجعل التخلي عنه أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن الأسباب أيضًا ضعف الهوية الشخصية خارج العمل. فبعض المديرين لا يملكون اهتمامات أو إنجازات أو أدوارًا أخرى في حياتهم، فيصبح المنصب هو تعريفهم الوحيد لأنفسهم، ولذلك يخشون مغادرته.
ويضاف إلى ذلك الخوف من المستقبل، والقلق من فقدان الامتيازات المالية أو الاجتماعية، أو الخشية من أن يكشف القائد الجديد أوجه القصور السابقة، أو حتى الاعتقاد الخاطئ بأنه الشخص الوحيد القادر على إدارة المؤسسة.
وفي بعض الأحيان يكون السبب ثقافة تنظيمية غير صحية، لا تشجع على إعداد الصف الثاني، ولا تؤمن بتداول المسؤوليات، فتدفع القيادات إلى الاعتقاد بأن استمرارهم ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
هل هؤلاء قادة حقيقيون؟
القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد السنوات التي يقضيها الإنسان في المنصب، ولا بحجم الصلاحيات التي يمتلكها، وإنما بما يصنعه من أثر، وبما يتركه من مؤسسات قوية وأجيال قيادية جديدة.
القائد الحقيقي لا يخشى أن يظهر من هو أفضل منه، بل يسعد بذلك، لأنه يرى نجاح من حوله امتدادًا لنجاحه. أما من يمنع الآخرين من النمو خوفًا على منصبه، فإنه يمارس الإدارة بمنطق الاحتكار، لا بمنطق القيادة.
القائد الحقيقي يصنع قادة، بينما القائد المتعلق بالمنصب يصنع تابعين.
القائد الحقيقي يوزع المعرفة، أما القائد الذي يخشى مغادرة الكرسي فيحتكرها.
القائد الحقيقي يخطط ليوم رحيله منذ يوم توليه المسؤولية، بينما القائد المتشبث بالمنصب يتصرف وكأنه سيبقى إلى الأبد.
ولهذا فإن التمسك المرضي بالمنصب لا يعكس قوة القيادة، بل قد يكون مؤشرًا على ضعف الثقة بالنفس وضعف الثقة بالمؤسسة.
الآثار السلبية للتمسك بالمنصب على القائد
قد يظن البعض أن البقاء الطويل في المنصب يمنح صاحبه مزيدًا من القوة، لكن الواقع الإداري يثبت أن الإفراط في التشبث بالمنصب قد يترك آثارًا سلبية عديدة:-
فالقائد يصبح أكثر مقاومة للتغيير، لأن أي تغيير قد يهدد استقراره الشخصي، ويبدأ في اتخاذ قرارات هدفها حماية موقعه، لا خدمة المؤسسة، وقد يميل إلى تهميش الكفاءات القادرة على منافسته، مما يحرمه من أفضل العقول داخل المؤسسة.
كما يزداد ضغطه النفسي؛ لأنه يعيش في حالة دائمة من القلق على المنصب، وينشغل بالحفاظ عليه أكثر من انشغاله بتطوير العمل، ومع مرور الزمن قد تتراجع صورته في أذهان العاملين، فيتحول من قائد ملهم إلى مسؤول يخشى الجميع معارضته، لا احترامًا له، بل خوفًا من سلطته.
أثر التمسك بالمنصب على سير العمل
حين تصبح مصلحة المنصب مقدمة على مصلحة المؤسسة، تبدأ عجلة التطوير في التباطؤ، فتضعف روح الابتكار، لأن الأفكار الجديدة قد تُفسر على أنها تهديد، وتتباطأ عملية اتخاذ القرار، ويزداد التركيز في الصلاحيات، فتتراكم الأعمال عند شخص واحد.
كما تتعطل خطط الإحلال الوظيفي، وتغيب عملية إعداد القيادات المستقبلية، فتصبح المؤسسة معرضة للاهتزاز عند أي تغيير مفاجئ.
وتتحول بيئة العمل إلى بيئة يغلب عليها الحذر، ويقل فيها الحوار الصريح، وتزداد فيها المجاملة على حساب الكفاءة.
أثره على المرؤوسين
الموظفون هم أول من يشعر بنتائج هذه الثقافة، فالكفاءات الطموحة تصاب بالإحباط عندما تكتشف أن فرص التقدم محدودة، مهما اجتهدت، ويفقد العاملون الحافز للإبداع عندما يدركون أن الأفكار الجديدة لا تجد من يحتضنها.
كما تنتشر بينهم ثقافة إرضاء المسؤول بدلًا من ثقافة الإنجاز، ويصبح الولاء للأشخاص أهم من الولاء للمؤسسة، ومع الوقت قد تختار العقول المتميزة الرحيل إلى بيئات أكثر عدالة، بينما يبقى من اعتاد العمل في ظل الجمود.
كيف يتعامل القائد الحقيقي مع المنصب؟
القائد الحقيقي يدرك أن المنصب أمانة مؤقتة، وأن الكرسي لا يمنح العظمة، وإنما العظمة هي التي تمنح الكرسي قيمته، ولهذا فهو يحرص على أن يكون وجوده إضافة، لا ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
يعمل على إعداد من يخلفه، ويمنح الفرص للقيادات الشابة، ويفوض الصلاحيات، وينقل خبراته دون خوف، ويشجع الحوار والاختلاف، ويرحب بمن يتفوق عليه.
كما يراجع نفسه باستمرار، ويسأل: هل ما زلت الشخص الأنسب لهذا الموقع؟ وهل وجودي يخدم المؤسسة أم أن المؤسسة أصبحت تحتاج إلى رؤية جديدة؟.
وعندما يحين وقت المغادرة، يغادر وهو مطمئن؛ لأنه يترك وراءه مؤسسة قوية، وفريقًا قادرًا على مواصلة المسيرة.
المؤسسات الناجحة لا تبنى على الأشخاص، وإنما على الأنظمة، ولا تعتمد على بطل واحد، بل على فرق عمل متكاملة، ولهذا أصبحت المؤسسات الرائدة في العالم تعتبر إعداد القيادات البديلة، والتخطيط للتعاقب الوظيفي، وتدوير المسؤوليات، من أهم مؤشرات النضج المؤسسي.
فالقائد الذي لا يستطيع أحد أن يحل محله، لم ينجح في بناء مؤسسة، بل نجح في بناء تبعية، أما القائد الذي يستطيع أن يغادر مطمئنًا، فقد نجح في بناء منظومة تستمر وتزدهر بعد رحيله.
وخاتمة هذا المقال..
الكرسي لا يدوم لأحد، والمنصب مرحلة من مراحل الحياة المهنية، وليس هو الحياة كلها. والقائد الذي يفهم هذه الحقيقة يعيش المنصب بطمأنينة، ويغادره بكرامة، ويظل حاضرًا في ذاكرة الناس بما قدمه، لا بما احتفظ به.
فالناس لا تتذكر من جلس طويلًا على الكرسي، وإنما تتذكر من نهض بالمؤسسة، واحترم الإنسان، وصنع من بعده قادة يكملون الطريق. وتلك هي القيادة التي تبقى آثارها، حتى بعد أن يخلو الكرسي من صاحبه.