11 أغسطس 2026
بعد 75 عامًا.. الذكاء الاصطناعي يكشف أخطاء في مراجع علمية موثوقة

لم تعد أخطاء الذكاء الاصطناعي وحدها موضع التدقيق، إذ بدأت تقنيات حديثة تكشف بدورها أخطاء بشرية تسللت إلى مراجع علمية وقواعد بيانات موثوقة وظلت متداولة لعقود. وفي تطور لافت، ساعدت نماذج الذكاء الاصطناعي الباحثين على إعادة فحص بيانات قديمة، ورصد تناقضات أدت في بعض الحالات إلى التشكيك في معلومات اعتُبرت صحيحة لسنوات طويلة.

وتعود إحدى أبرز الحالات إلى الكيميائي النظري سيباستيان بيوس، من مختبر تشجيانغ في الصين، الذي استعان بنموذج للذكاء الاصطناعي للتنبؤ بدرجات غليان جزيئات كيميائية مختلفة، وفقًا لما أوردته مجلة «نيتشر».

وعندما اختلفت نتائج النموذج عن أرقام منشورة في قاعدة بيانات مرجعية يعود تاريخها إلى نحو 75 عامًا، اعتقد الباحث في البداية أن الخلل يكمن في التنبؤات التي قدمها الذكاء الاصطناعي. إلا أن مراجعة المصادر الأصلية أظهرت نتيجة مختلفة، إذ تبين أن النموذج كان أقرب إلى الصواب، وأن بعض البيانات المرجعية تضمنت أخطاء مطبعية قديمة وقياسات غير دقيقة يعود بعضها إلى نحو قرن.

خطأ يتحول إلى "حقيقة"
وتكتسب بيانات درجات الغليان أهمية كبيرة في الكيمياء، إذ يستخدمها العلماء للتعرف إلى المركبات المختلفة، فضلًا عن الاعتماد عليها في عمليات صناعية وعلمية مثل التقطير والفصل وتنقية المواد.

ومع انتقال قيمة غير صحيحة من بحث قديم إلى مرجع علمي، ثم إلى قاعدة بيانات رقمية، يمكن أن تستمر المعلومة في التداول حتى تكتسب بمرور الوقت صفة الحقيقة، وتصبح جزءًا من الأبحاث والمناهج التعليمية والحسابات المستخدمة في التطبيقات الصناعية.

وتبرز هنا إحدى أهم قدرات الذكاء الاصطناعي، والمتمثلة في معالجة كميات ضخمة من البيانات ومقارنة المعلومات ورصد القيم غير المعتادة والتناقضات التي قد يصعب اكتشافها خلال المراجعة البشرية التقليدية.

مئات الأخطاء في الأبحاث العلمية
وفي تجربة أخرى، طور باحثون نظامًا يعتمد على نموذج GPT-5 لمراجعة الأوراق العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على المعادلات والحسابات والجداول والرسوم والأشكال الواردة فيها.

وخلال اختبار النظام، راجع خبراء بشريون 316 خطأ محتملًا اكتشفها النموذج، وأكدوا صحة 263 منها، لتصل دقة الكشف عن الأخطاء إلى 83.2%. كما تمكن النظام من اقتراح تصحيحات سليمة لنحو 75.8% من الأخطاء التي رصدها.

وأظهرت النتائج كذلك ارتفاع متوسط عدد الأخطاء في أوراق مؤتمر «NeurIPS» من 3.8 أخطاء للورقة الواحدة عام 2021 إلى 5.9 أخطاء عام 2025، بزيادة تجاوزت 55%.

وفي السياق نفسه، طورت «غوغل» وكيلًا ذكيًا قادرًا على قراءة البحث العلمي بصورة شاملة، وفحص نتائجه النظرية وتجاربه وحساباته، ثم تحديد الجوانب التي قد تحتوي على مشكلات قبل إرسال البحث إلى النشر، مع بقاء القرار النهائي بيد الباحث والمراجع البشري.

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي في هذا المجال على إصدار أحكام بشأن صحة المعلومات، بل يمكنه المساعدة في اكتشاف التناقضات، وإعادة إجراء الحسابات، وتتبع المصادر، وتحديد البيانات التي تستحق مزيدًا من التدقيق، قبل أن يتولى المتخصص البشري مهمة التحقق وإقرار التصحيح.

وبذلك تتغير الصورة التقليدية لدور الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي؛ فالتقنية التي لطالما حُذّر من قدرتها على إنتاج معلومات غير دقيقة، يمكن أن تتحول أيضًا إلى أداة تساعد العلماء على اكتشاف أخطاء بشرية ظلت متوارثة لعقود، بشرط أن تبقى وسيلة للتحقق والمراجعة لا بديلًا عن الحكم العلمي البشري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE