لم تعد المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تقتصر على دقة الإجابات التي يقدمها أو قدرته على تنفيذ المهام، بل امتدت إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بالمعلومات التي يشاركها المستخدمون معه، فمع تحول روبوتات المحادثة إلى أدوات حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، تتزايد كمية البيانات التي يمكن أن تكشف عن اهتمامات الأشخاص وعاداتهم وتفضيلاتهم، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول كيفية تخزين هذه المعلومات واستخدامها والجهات التي يمكن أن تصل إليها.
وفي تقرير نشره موقع Axios، يبرز اختلاف واضح في طريقة تعامل شركات التكنولوجيا مع بيانات المستخدمين، في ظل عدم وجود إطار قانوني موحد يحكم جميع جوانب استخدام هذه المعلومات. وبينما تعتمد بعض الشركات على البيانات لتحسين تجربة المستخدم وتقديم إجابات أكثر تخصيصاً، تستخدمها شركات أخرى في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي أو لأغراض مرتبطة بالإعلانات والمحتوى الموجه.
وتشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى أن سياسات الخصوصية المتبعة لدى شركات التكنولوجيا يمكن تقسيمها بصورة عامة إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية:
أولاً: معالجة البيانات على الجهاز
تعتمد شركة «آبل» بدرجة كبيرة على معالجة طلبات الذكاء الاصطناعي مباشرة على أجهزة المستخدم كلما أمكن ذلك، بما يقلل من الحاجة إلى إرسال البيانات إلى خوادم خارجية. وعندما تتطلب المهمة إمكانات حوسبة أكبر، تلجأ الشركة إلى نظام سحابي خاص تقول إنه يعالج البيانات لتنفيذ الطلب المحدد ثم يتخلص منها بعد ذلك. إلا أن هذا المستوى من الحماية لا ينطبق بالضرورة عند الاستعانة بخدمات ذكاء اصطناعي تابعة لشركات أخرى، مثل ChatGPT، من خلال أجهزة «آبل».
ثانياً: توظيف البيانات على نطاق أوسع
في المقابل، تتبع «ميتا» سياسة تمنحها مجالاً أوسع للاستفادة من تفاعلات المستخدمين مع مساعدها Meta AI، بما يشمل استخدام بعض المعلومات في تخصيص المحتوى والإعلانات عبر منصاتها، مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» وبعض منتجاتها الأخرى. وتوضح الشركة أنها تستبعد المحادثات المتعلقة بموضوعات حساسة، مثل الصحة والسياسة والدين، من هذا النوع من الاستخدامات. كما وفرت خياراً للمحادثات المؤقتة التي لا تحتفظ بها الأنظمة بعد انتهاء الجلسة.
ثالثاً: خيارات متعددة للخصوصية
أما معظم خدمات الذكاء الاصطناعي الأخرى فتتبنى سياسات تقع بين النموذجين السابقين، إذ تمنح المستخدمين مستويات متفاوتة من التحكم في بياناتهم. وتوفر بعض المنصات محادثات مؤقتة لا يتم الاحتفاظ بها، بينما تشترط خدمات أخرى الحصول على موافقة المستخدم قبل استخدام بياناته في تدريب النماذج، في حين تعتمد منصات مختلفة على الموافقة الافتراضية ما لم يقرر المستخدم تعطيلها. كذلك تختلف آليات إدارة الذاكرة من خدمة إلى أخرى، بين أوامر مباشرة لحذف معلومات محددة وإعدادات أكثر تعقيداً للتحكم في البيانات التي يحتفظ بها النظام.
ولا يتوقف الجدل عند حدود معرفة ما إذا كانت الشركة تستخدم المحادثات في تدريب نماذجها، إذ باتت القضية الأوسع تتمثل في طبيعة الصورة التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تكوينها عن المستخدم، وكيف يمكن الاستفادة من هذه المعرفة مستقبلاً.
ومع تراكم المحادثات والتفاعلات، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تكوين تصور أكثر تفصيلاً عن اهتمامات المستخدم وتفضيلاته وطريقة تفكيره، وهي معلومات يمكن استخدامها لتحسين جودة الإجابات، لكنها قد تصبح أيضاً أداة لزيادة مدة التفاعل أو التأثير في القرارات والسلوك الشرائي.
وفي هذا السياق، يتجه قطاع الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي تدريجياً نحو نموذج اقتصادي يشبه ما شهدته محركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث تمثل الإعلانات أحد أبرز مصادر الإيرادات.
وتبحث شركات تقنية كبرى، من بينها «غوغل» و«ميتا» وOpenAI، في إمكانات دمج الإعلانات ضمن تجارب روبوتات المحادثة، وهو توجه قد يزيد أهمية البيانات الشخصية باعتبارها وسيلة لفهم المستخدم وتقديم محتوى وإعلانات أكثر ارتباطاً باهتماماته.
ومن جانبها، تحذر ميراندا بوغن، المتخصصة في قضايا التكنولوجيا لدى مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، من أن الاعتماد المتزايد على المساعدات الذكية قد يدفع المستخدمين إلى مشاركة قدر أكبر من تفاصيل حياتهم الرقمية معها. وترى أن ارتفاع مستوى معرفة النظام بالمستخدم قد يجعل طلب معلومات إضافية أكثر حساسية يبدو جزءاً طبيعياً من مسار المحادثة.
وفي السياق ذاته، تؤكد بوغن أن الحصول على مساعد ذكي قادر على تقديم تجربة شخصية قد يكون مقبولاً لدى كثير من المستخدمين مقابل التخلي عن جزء من خصوصيتهم، إلا أنها تشدد على ضرورة معرفة طبيعة هذه المقايضة وشروطها قبل مشاركة المعلومات، وليس بعد استخدامها.
وبين سباق الشركات لتقديم خدمات أكثر تخصيصاً وتوسع اعتماد الأفراد على الذكاء الاصطناعي، تبرز قضية جوهرية تتعلق بحدود سيطرة المستخدم على بياناته. فكلما أصبحت الأنظمة أكثر قدرة على التعرف إلى الأشخاص وفهم سلوكهم، ازدادت أهمية السؤال حول من يملك هذه المعرفة، وكيف يمكن استخدامها، وما إذا كان المستخدم سيظل صاحب القرار الحقيقي في تحديد مصير معلوماته الشخصية.