هل ضاقت الأرض على الأطماع البشرية، لتجد ضالتها فوق موج المحيط؟
في عام 1494، جلس ملك إسبانيا وملك البرتغال تحت رعاية البابا، ورسمت معاهدة تورديسيلاس خطًا وهميًا على خريطة لم تكن مكتملة: ما يقع شرقه للبرتغال، وما يقع غربه لإسبانيا. كانوا يقسمون عالما لم يروه، وشعوبا لم يلتقوا بها، وثروات لم تُكتشف بعد.
لم تكن تورديسيلاس مجرد وثيقة لتسوية نفوذ بين قوتين، بل أصبحت رمزًا مبكرًا لفكرة أن القوة تستطيع أن ترسم حدودًا على خرائط لم تستأذن أصحابها.
وبعد قرون من التوسع فوق اليابسة، تتجه شهية الإنسان إلى مساحة أخرى لم تكتمل خرائطها بعد: قاع المحيط.
هناك معادن نادرة، وموارد استراتيجية، وممرات لكابلات الاتصال العالمية، ومساحات بحرية تتداخل فيها المصالح والسيادة والقانون.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وضعت إطارًا قانونيًا للمياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة، كما أرست نظامًا خاصًا لقاع البحار والمحيطات خارج حدود الولاية الوطنية، باعتباره تراثا مشتركا للإنسانية.
لكن السؤال لم يعد فقط: من يملك البحر؟
بل: من يملك القدرة على الوصول إلى أعماقه، واستثمار موارده، وصياغة القواعد التي تحكم هذا الاستثمار؟
سباق الأعماق ومفارقة السطح
هنا يعود التاريخ إلينا بصورة جديدة، فالقوة لا تحتاج دائمًا إلى أن تعلن امتلاكها للمكان؛ يكفي أحيانا أن تمتلك أدوات الوصول إليه، وأن تكون قادرة على التأثير في القواعد التي تنظمه.
والمفارقة أن هذا السباق نحو الأعماق يتزامن مع تغير السطح نفسه.
المحيطات تمتص قدرًا هائلاً من الحرارة الناتجة عن الاحترار العالمي، وتتعرض في الوقت نفسه لضغوط متزايدة من ارتفاع درجات الحرارة، والتحمض، وفقدان التنوع البيولوجي.
والدول الجزرية والمجتمعات الساحلية تقف في مقدمة المتضررين من هذه التحولات، بينما تتسابق القوى الاقتصادية والتكنولوجية على الموارد الجديدة في البحار والأعماق.
وهنا يظهر السؤال الأخطر:
هل نتعلم من أخطاء اليابسة، أم ننقل أخطاءها إلى المحيط؟
فالإنسان الذي عجز عن تحقيق التوازن على سطح الأرض، قد يجد نفسه يعيد إنتاج الاختلال ذاته في قاع البحر.
هرمز.. مرآة السيطرة على الممرات
هرمز ليس مجرد مضيق، إنه مرآة لرغبة الإنسان في السيطرة على الممرات التي تعبرها التجارة والطاقة والتاريخ.
لكن شراع الإنسان هو الجزء المنسي من المعادلة: إرادته في أن يبحر، وخوفه من العمق، وقدرته على تحويل البحر من حدود فاصلة إلى طريق يصل بين الحضارات.
التاريخ لا يكتبه فقط من يسيطرون على المضائق، بل من يصنعون الشراع ويقررون متى يرفعونه.
من المحيط إلى الفضاء
وإذا استنزفنا المحيطات، وتجاوزنا حدودها القانونية والأخلاقية، فأين سنذهب بعد ذلك؟
ربما إلى الفضاء.
وهناك أيضا بدأت الأسئلة القديمة ترتدي ثوبا جديدا:
من يملك حق الاكتشاف؟
ومن يملك حق الاستغلال؟
ومن يضع القواعد عندما تكون الأرض التي نرسم عليها الحدود ليست أرضا أصلا؟
قد يتغير المكان من المحيط إلى القمر أو المريخ، لكن الخطر الحقيقي أن يبقى المنطق نفسه: أن يتحول الاكتشاف إلى امتلاك، والقدرة إلى حق، والقوة إلى قاعدة.
مرآة تعكس ما نحن عليه
المحيطات ليست بديلا عن الأرض، بل مرآة تعكس ما نحن عليه.
لم يضق البشر بالأرض لأنها صغيرة، بل لأن طمعهم كبر وحكمتهم صغرت.
لم يكن البحر يوما مجرد مساحة زرقاء؛ بل إرث وطريقا للإنسان، ومصدرا للرزق، وذاكرة للحضارات...
ولهذا فإن مستقبل البحر لا ينبغي أن يكون سباقا لمن يسبق إلى استغلاله، بل اختبارا لمن يستطيع أن يحميه ويستثمره دون أن يفقد معناه...
ربما يكون الاستعمار الحقيقي الذي نحتاجه اليوم هو استعمار وعينا الجمعي، لا قاع المحيط، وأن نمتلك المعرفة قبل الموارد، والحكمة قبل القوة، والهوية قبل الثروة.
فكل خط يرسم على خريطة جديدة يجب ألا يكون نسخة أخرى من خط تورديسيلاس.
لأن العالم لم يعد يحتمل أن يرسم الأقوياء مستقبله وحدهم.
زمن اللؤلؤة قادم، لكن بثروات الهوية.