للوفاء صورٌ عديدة؛ فقد نحفظ أسماء الرّاحلين في ذاكرتنا، ونحتفظ بصورهم ومتعلّقاتهم، ولكن، ماذا لو كان الوفاءُ أكثر امتدادًا؟ ماذا لو تحوّل أثر الرّاحلين إلى خيرٍ يمسّ حياة الآخرين، وأصبحت ذكرى من فقدناهم بابًا جديدًا للعطاء؟ هذا ما تجسّده مبادرة «جسر أحمد بن راشد الإنسانيّ»، حيث تلتقي قيمتا الوفاءِ والعطاء في مشهدٍ واحد، يجمعُ مئات المتطوّعين والمتطوعات حول غاية إنسانيّة واحدة، لتُصبح الذّكرى من استحضارِ الماضي، إلى بناء الحاضرِ.
ولم يكن اختيار العمل الإنساني وسيلةً للوفاء بالمغفور له بإذن الله الشّيخ أحمد بن راشد آل مكتوم بعيدًا عن سيرته؛ فقد ارتبط اسمه بالخير ودعم أبناء وطنه، وامتدّت إسهاماته إلى المجالات الّتي عمل فيها، ومنها المجالان الاقتصاديّ والرياضي. كما كان حاضرًا في العمل الإنسانيّ، فَمِنْ أبرز إسهاماتِه الإنسانيّة دَعمُهُ لمشروع «مستشفى حمدان بن راشد للسَّرطان»، وتقديرًا لذلك أدرجت مؤسّسةُ الجليلة اسمَهُ ضمن «دائرة أمناء الأمل» الّتي تضُمُّ كبار الدّاعمين للمستشفى؛ ليظلّ العطاء شاهدًا على أثرٍ امتدّ في حياته، ويستمرّ بعد رحيله.
وهذه الصّورة ليست بعيدةً عن نهج الإمارات؛ فالعطاء جزءٌ أصيل من ثقافتها، حتى تحوّلتِ المناسبات والذّكريات إلى محطّاتٍ تُفتح منها أبواب جديدة للخير. هنا تتحول الذكرى إلى مبادرة، والوفاء إلى منفعة تتجاوز صاحبها إلى الآخرين؛ ولعلّ «يوم زايد للعمل الإنساني» خيرُ شاهدٍ على ذلك؛ إذ يوافق ذكرى رحيل المغفور له الشّيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، لتظلّ ذكراه مقرونةً بالخير الذي أرسى نهجه، وتصبح مناسبةُ الوفاء امتدادًا لقيم العطاء والعمل الإنساني. فَهذه ثقافةٌ لا تجعل التكريم غايةً في ذاته، بل تمنحه معنًى أبقى حين يقترن بعملٍ نافعٍ خالد الأثر.
واليوم، تَتَجدَّدُ هذه الثّقافةُ في مبادرة «جسر أحمد بن راشد الإنساني» الّتي تنظّمها "مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالميّة" بالتّعاون مع "الفارس الشّهم3"،إذ بدَأ مركز دبي التّجاري العالميّ استِقبالَ المتطوّعين لتجهيزِ الطّرود الغذائيّة لأهل غزّة، ليصبح المجتمع شريكًا في الوفاء؛ إذ تأتي المبادرةُ في إطار الحراك الإنسانيّ والمجتمعيّ الّذي تتبنّاه دولة الإماراتِ، فَخَلْفَ عشرة ملايين وجبة أيدٍ تبذل الوقت والجهد، وقلوبٌ تجسّد الوفاء والإنسانيّة.
يرحلُ الإنسان، لكن خيره يبقى، وأثره قادرٌ على أن يمتدّ أبعد من سنواتِ عُمره. ولعلّ أجمل الوفاء ألّا نحفظ أسماء الرّاحلين فَحسب، بل أن نحفظ القِيَمَ التي عاشوا بها، ونمنحها حياةً جديدةً. وفي الإمارات، لا تبقى أسماء أهلِ العطاء حبيسة الذّاكرة؛ بل تَمضي مع أهلِ الخير، وتجوبُ بأثرها العالمَ.