من دبي، انطلقت رحلة «طيران الإمارات» في 25 أكتوبر 1985 بإمكانات محدودة وطموحات كبيرة، لتبدأ مسيرة توسّع أعادت رسم حضورها في صناعة الطيران العالمية. فمن تمويل تأسيسي بلغ 10 ملايين دولار وطائرتين مستأجرتين، شقت الناقلة طريقها نحو الأسواق الدولية، مستندة إلى نموذج يقوم على المنافسة وتحقيق الأرباح من دون الاعتماد على الحماية الحكومية لقطاع الطيران. وبعد 41 عاماً من انطلاق عملياتها، أصبحت الشركة أكبر ناقلة جوية دولية في العالم، ونقلت منذ تأسيسها نحو 915 مليون مسافر، في رحلة تزامنت مع ترسّخ مكانة دبي مركزاً رئيسياً لحركة السفر العالمية.
وتحلّ الذكرى السنوية لانطلاق عمليات الناقلة اليوم، مستحضرة مسيرة بدأت بخطوات تشغيلية متواضعة، ثم تحولت إلى تجربة توسّع شملت الأسطول والوجهات والخدمات والتقنيات. وخلال أربعة عقود ونيف، رسّخت «طيران الإمارات» حضورها في الأسواق الدولية، وأصبحت إحدى أبرز العلامات المرتبطة بتطور قطاع الطيران في دبي.
البداية من دبي
تعود فكرة تأسيس الناقلة إلى عام 1984، حين وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بدراسة إنشاء شركة طيران جديدة. وبحلول ديسمبر من العام ذاته، اكتملت خطة العمل، واستقر الاختيار على اسم «طيران الإمارات» ليكون عنواناً للمشروع الجديد.
وفي مارس 1985، كُلّف موريس فلاناغان، المدير الإداري لـ«دناتا» آنذاك، بتأسيس الشركة خلال خمسة أشهر، بتمويل أولي قدره 10 ملايين دولار. وتمثلت المهمة في إطلاق ناقلة قادرة على تقديم خدمات متميزة، وبناء سمعة تنافسية، وتحقيق الأرباح، من دون الاعتماد على الدعم أو الحماية الجوية، انسجاماً مع نهج دبي القائم على سياسة الأجواء المفتوحة.
وشهد 25 أكتوبر 1985 انطلاق أولى رحلات «طيران الإمارات» من دبي إلى كراتشي ومومباي، على متن طائرتين مستأجرتين من الخطوط الجوية الدولية الباكستانية، هما «بوينغ 737» و«إيرباص A300 B4». ومثّلت تلك الرحلات البداية الفعلية لعمليات الناقلة، التي وضعت منذ انطلاقتها هدف بناء شركة قادرة على المنافسة والتوسع انطلاقاً من دبي.
وبعد أقل من عامين، وتحديداً في 3 يوليو 1987، دخلت أول طائرة مملوكة للشركة إلى أسطولها، وهي «إيرباص A310-304» التي حملت التسجيل «A6-EKA»، ووصلت إلى دبي من مدينة تولوز الفرنسية. وخلال السنوات الخمس الأولى، ارتفع عدد الوجهات التي تخدمها الناقلة إلى 14 وجهة، بما عكس تسارع توسعها منذ المراحل الأولى للتشغيل.
ولم يقتصر مسار التطور على زيادة عدد الوجهات، بل امتد إلى تحسين تجربة المسافرين وتوظيف التقنيات الحديثة في خدمات الطيران. فمنذ سنواتها الأولى، عملت الشركة على تعزيز ما تقدمه للمسافرين، لتجعل جودة الخدمات والترفيه والاتصال على متن الطائرة جزءاً من عناصر المنافسة.
وفي عام 1992، خطت الناقلة خطوة في مجال الترفيه الجوي، من خلال توفير أنظمة فيديو في جميع المقاعد وعلى مختلف درجات السفر ضمن أسطولها، في وقت كانت فيه خدمات الترفيه على متن الطائرات تشهد تطوراً متسارعاً.
وشهد العام نفسه إعلان الشركة طلب شراء سبع طائرات من طراز «بوينغ 777»، مع خيارات لشراء سبع طائرات إضافية، في خطوة جاءت في فترة واجهت فيها صناعة الطيران تحديات كبيرة على خلفية حرب الخليج الأولى.
وفي عام 1993، أصبحت «طيران الإمارات» أول شركة طيران توفر خدمات الاتصالات على متن طائرة «إيرباص» في درجات السفر الثلاث، قبل أن تقدم في العام التالي تسهيلات الفاكس على متن طائرات «إيرباص»، لتتيح للمسافرين مواصلة أعمالهم والتواصل خلال الرحلات.
وعكست هذه المبادرات توجهاً مبكراً نحو تطوير مفهوم السفر الجوي، بحيث لا يقتصر دور الناقلة على نقل المسافرين بين المدن، وإنما يشمل تقديم تجربة متكاملة تجمع بين اتساع شبكة الوجهات وتنوع الخدمات والتطور التقني.
50 وجهة حول العالم
مع اقتراب نهاية التسعينات، بدأت نتائج التوسع تظهر بوضوح في حجم عمليات الشركة. ففي السنة المالية 1999-2000، نقلت «طيران الإمارات» 4.7 ملايين مسافر، وشغّلت أسطولاً مكوناً من 32 طائرة، فيما وصلت شبكتها العالمية إلى 50 وجهة بحلول نهاية الألفية.
وتزامن نمو الناقلة مع توسع البنية التحتية لمطار دبي الدولي، الذي شهد في عام 1998 افتتاح المبنى رقم (2)، بطاقة استيعابية بلغت مليوني مسافر سنوياً. ثم جاء افتتاح مبنى الشيخ راشد عام 2000 ليرفع الطاقة الاستيعابية للمطار إلى 22 مليون مسافر سنوياً، بعدما تجاوز عدد القادمين إليه 11 مليون مسافر في عام 1999.
وفي عام 2000، اتجهت الشركة إلى تعزيز حضورها في سوق الطائرات العملاقة، عندما تقدمت بطلبية لشراء سبع طائرات من طراز «إيرباص A380»، مع خيار شراء خمس طائرات إضافية، خلال معرض «فارنبورو» الجوي. وأصبحت هذه الطائرة، التي تعد الأكبر في العالم ضمن فئة الطائرات التجارية، لاحقاً إحدى أبرز العلامات المميزة لأسطول الناقلة.
وبعد خمس سنوات، واصلت الشركة الاستثمار في الطائرات عريضة البدن، بإعلان طلب شراء 42 طائرة من طراز «بوينغ 777»، في صفقة بلغت قيمتها 9.7 مليارات دولار، وكانت أكبر طلبية من نوعها للطائرة آنذاك. ومع توسع عملياتها، أصبحت «طيران الإمارات» لاحقاً أكبر مشغل لطائرات «بوينغ 777» على مستوى العالم.
مساران متكاملان للنمو
ارتبط توسع «طيران الإمارات» بتطور مرافق الطيران في دبي، إذ شهد عام 2008 افتتاح المبنى رقم (3) في مطار دبي الدولي، المخصص لعمليات الناقلة. وخلال شهره الأول، سجل المبنى مغادرة 500 ألف مسافر، في مؤشر إلى حجم الحركة التي باتت تستقطبها الشركة ومركزها التشغيلي.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2010، أضافت الناقلة 46 مساراً إلى شبكتها الدولية، بالتزامن مع تعزيز دور دبي نقطة ربط بين أسواق السفر المختلفة، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتساع نطاق عملياتها.
وفي عام 2013، دخل «الكونكورس A» الخدمة في مطار دبي الدولي، بوصفه أول منشأة في العالم مخصصة لطائرات «إيرباص A380»، لترتفع الطاقة الاستيعابية للمطار إلى 75 مليون مسافر سنوياً. ووفرت المنشأة مرافق للصعود المباشر إلى المقصورة العلوية للطائرات، إلى جانب صالات لمسافري الدرجتين الأولى والأعمال تمتد على مساحة 19 ألف متر مربع.
وأبرزت هذه التطورات التكامل بين نمو الناقلة وتحديث البنية التحتية للطيران في دبي؛ فبينما توسعت شبكة الرحلات وتزايد حجم الأسطول، تطورت المرافق لاستيعاب الطلب المتنامي على السفر. وبذلك اتسعت المنافسة لتشمل، إلى جانب عدد الوجهات والطائرات، مستوى الخدمات وكفاءة العمليات وقدرة مركز دبي على ربط الأسواق العالمية.
العلامة التجارية وتجربة المسافر
على صعيد الحضور التجاري، تصدرت «طيران الإمارات» في عام 2014 قائمة العلامات التجارية الأعلى قيمة بين شركات الطيران عالمياً، وفق تقرير «براند فاينانس»، الذي قدّر قيمة علامتها بنحو 3.7 مليارات دولار. كما احتلت المرتبة الأولى بين العلامات التجارية الأعلى قيمة في الشرق الأوسط ضمن التقرير نفسه.
وفي عام 2016، نالت الناقلة لقب أفضل شركة طيران في العالم ضمن جوائز «سكاي تراكس» العالمية لشركات الطيران، إلى جانب جائزة أفضل ترفيه على متن الطائرة للسنة الثانية عشرة على التوالي، في انعكاس لاهتمامها بتطوير تجربة المسافرين.
وشهد عام 2017 إعلان شراكة استراتيجية بين «طيران الإمارات» و«فلاي دبي»، تضمنت اتفاقية واسعة لتبادل الرموز، وتنسيق جداول الرحلات، وتعزيز الاستفادة من شبكتي الوجهات لدى الشركتين، بما يدعم خيارات الربط أمام المسافرين.
وفي العام ذاته، كشفت «طيران الإمارات» عن أجنحة مغلقة بالكامل لمسافري الدرجة الأولى على طائرات «بوينغ 777»، بتصميم مستوحى من سيارات «مرسيدس-بنز». وركز التصميم على توفير مستويات أعلى من الخصوصية والراحة، مقدماً تصوراً متطوراً لتجربة السفر الفاخر.
واستكمالاً لهذا التوجه، أضافت الشركة 54 مساراً إلى شبكتها خلال الفترة بين عامي 2010 و2019، لتواصل توسيع نطاق الربط الجوي من مركزها في دبي وتعزيز حضورها في أسواق السفر الدولية.
الريادة في مرحلة ما بعد الجائحة
فرضت جائحة «كوفيد-19» تحديات استثنائية على قطاع الطيران العالمي، مع القيود التي طالت حركة السفر والتراجع الحاد في أعداد المسافرين. ومع بدء تعافي القطاع، حافظت «طيران الإمارات» على موقعها بوصفها أكبر ناقلة جوية دولية في العالم، ونقلت 15.8 مليون مسافر في عام 2020، وفق البيانات الواردة في التقرير.
وتواصل الناقلة توسيع عملياتها في سوق السفر العالمي، مستفيدة من شبكة وجهاتها الواسعة ومركزها التشغيلي في دبي، في وقت يشهد فيه القطاع تغيرات متواصلة في أنماط الطلب والمنافسة وتوقعات المسافرين.
29 ألف دورة حول الأرض في عام واحد
تكشف أرقام عمليات «طيران الإمارات» خلال عام 2025 عن حجم نشاطها التشغيلي؛ إذ نقلت نحو 55.6 مليون مسافر، ونفذت 180 ألفاً و580 رحلة جوية، قطعت خلالها مسافة تعادل الدوران حول الأرض 29 ألفاً و290 مرة، بحسب بيانات الشركة.
وبحساب المتوسط اليومي، نقلت الناقلة نحو 152 ألف مسافر، ونفذت قرابة 495 رحلة يومياً، بما يعادل رحلة كل ثلاث دقائق تقريباً على مدار العام، وهو ما يعكس كثافة عملياتها واتساع نطاق شبكتها الجوية.
وتشير الحسابات المستندة إلى إجمالي عدد المسافرين والرحلات إلى أن متوسط عدد المسافرين بلغ نحو 1.76 مسافر في الثانية، فيما وصل متوسط عددهم على متن الرحلة الواحدة إلى قرابة 308 مسافرين.
واستناداً إلى أن محيط الأرض عند خط الاستواء يبلغ نحو 40 ألفاً و75 كيلومتراً، فإن المسافة المكافئة للدوران حول الأرض 29 ألفاً و290 مرة تصل إلى نحو 1.174 مليار كيلومتر، بمتوسط يتجاوز 3.2 ملايين كيلومتر يومياً.
وبالمقارنة الحسابية، تعادل هذه المسافة نحو 1527 رحلة ذهاباً وإياباً إلى القمر، بالاستناد إلى متوسط المسافة بين الأرض والقمر، البالغ نحو 384 ألفاً و400 كيلومتر. وتمنح هذه الأرقام تصوراً عن الحجم الذي بلغته عمليات الناقلة بعد 41 عاماً من انطلاق أولى رحلاتها من دبي، في مسيرة انتقلت خلالها من شركة تعتمد على طائرتين مستأجرتين إلى لاعب رئيسي في حركة النقل الجوي الدولي.