2 نوفمبر 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: حين يتحدث العلم.. تصمت الكلمات

في الثالث من نوفمبر، لا ترتفع راية الإمارات العربية المتحدة على السارية فحسب، بل يرتفع معها تاريخ وطن، وذاكرة شعب، وحكاية حلمٍ بدأ صغيرًا في قلوب الآباء المؤسسين، ثم مضى يكبر حتى أصبح وطنًا تتسع آفاقه للطموح، وتضيق الكلمات عن وصف ما يختزله من معانٍ.

في يوم العلم، أتأمل تلك الراية التي ترفرف في السماء، وأتساءل: كيف استطاعت قطعة من القماش أن تختصر كل هذا الحب؟ كيف اجتمعت في ألوانها حكايات أجيال، وتضحيات رجال، وأحلام أمهات، وقلوب آمنت بأن للوطن مكانة لا تشبهها مكانة، وأن الانتماء إليه ليس كلمة تُقال، بل شعور يسكن الروح، ويظهر في المواقف، ويُترجم إلى أفعال؟.

لعل سر العلم أنه لا يحتاج إلى أن يتحدث؛ فنحن الذين نتحدث حين نراه. لكل منا حكايته معه، وذكرياته التي تستيقظ في حضرته، ومشاعره التي قد يعجز عن تفسيرها. هناك من يراه فيتذكر البدايات، وهناك من يستحضر وجوه الذين رحلوا وتركوا في ذاكرة الوطن أثرًا لا يمحوه الغياب، وهناك من يرى فيه مستقبل أبنائه وأحفاده، والأرض التي يتمنى أن تظل آمنة، عزيزة، مزدهرة، مهما تعاقبت السنوات وتبدلت الأزمنة.

أما أنا، فأراه أكثر من رمزٍ للوطن؛ أراه حكاية انتماء لا تنتهي، وعهدًا صامتًا بين الأرض وأبنائها، بأن تبقى المحبة وفاءً، والوفاء مسؤولية، والمسؤولية عملًا يليق بوطن منح أبناءه الكثير، وفتح أمامهم أبوابًا واسعة ليحلموا، ويتعلموا، ويبدعوا، ويصنعوا لأنفسهم ولوطنهم مكانًا بين الأمم.

حين أتأمل ألوان العلم، لا أراها ألوانًا منفصلة، بل أراها معاني تتعانق في لوحة واحدة، كما تتعانق في هذا الوطن قيم العزة والتضحية والأمل والعمل. وأشعر أن أجمل ما في العلم ليس ما نراه بأعيننا حين يرتفع، بل ما ينبغي أن يستيقظ في أعماقنا حين نراه؛ ذلك الشعور الذي يجعلنا أكثر حرصًا على وطننا، وأكثر إدراكًا لقيمة ما نملك، وأكثر استعدادًا لصون النعم التي قد نعتاد وجودها حتى ننسى أنها تستحق منا الشكر و الامتنان كل يوم.

فالوطن ليس حدودًا مرسومة على خريطة، ولا مباني شامخة تلامس السماء، ولا طرقًا تمتد بين المدن.

واتساع. الوطن، في جوهره، هو الطمأنينة التي نشعر بها حين نعود إليه، والكرامة التي نحملها ونحن ننتمي إليه، والوجوه التي نألفها، والذكريات التي تشكل جزءًا من أرواحنا، والأرض التي نعرفها حتى في تفاصيلها الصغيرة، فنشعر أن لنا فيها مكانًا لا يشبهه مكان آخر.

والوطن أيضًا مسؤولية؛ لأن الحب الذي لا يتحول إلى عطاء يظل شعورًا ناقصًا، والانتماء الذي لا يظهر في السلوك يبقى ادعاءً لا تثبته المواقف. وحين نرفع علم الإمارات، فإننا لا نحتفي بماضٍ نفخر به فحسب، بل نذكّر أنفسنا بأن المستقبل أمانة، وأن ما بناه الآباء المؤسسون بحكمتهم وإرادتهم يحتاج إلى أبناء يحملون القيم ذاتها، ويضيفون إلى ما أنجزوه إنجازات جديدة، ويحمون مكتسبات وطنهم بالعلم والعمل والإخلاص.

وما أجمل أن يكون يوم العلم مناسبة نراجع فيها علاقتنا بوطننا، لا لنقيس مقدار ما يمنحنا إياه فحسب، بل لنسأل أنفسنا: ماذا قدمنا له؟ كيف نجعل وجودنا على أرضه إضافة جميلة؟ كيف نعكس صورته في أعمالنا وأخلاقنا وتعاملنا مع الآخرين؟ وكيف نكون جديرين براية تحمل اسم دولة نعتز بها، ونفخر بمكانتها، ونريد لها أن تظل دائمًا في المقدمة؟.

إن الأوطان لا تكبر بما تشيده أيدي أبنائها وحدها، بل تكبر أيضًا بما يبنونه في نفوسهم من قيم. قد يرتفع البناء إلى السماء، لكن الوطن يحتاج إلى إنسان يرتفع بخلقه، ويصدق في عمله، ويحترم غيره، ويؤمن بأن النجاح الحقيقي ليس فيما يحققه لنفسه فقط، بل فيما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين. وتلك، في ظني، إحدى أصدق صور الولاء: أن نجعل من حب الوطن قوة تدفعنا إلى أن نكون أفضل، لا في أعين الناس فحسب، بل في حقيقة ما نفعله حين لا يرانا أحد.

وفي هذا اليوم، أتذكر أن وراء كل وطن عظيم حكاية رجال آمنوا بما لم يكن قد اكتمل بعد، ورأوا في المستقبل إمكانات أكبر من حدود الواقع. 

وفي الإمارات، ستظل ذكرى الآباء المؤسسين حاضرة في كل تأمل في العلم؛ لأن الراية التي نرفعها اليوم تحمل في معناها أثر تلك الإرادة التي جمعت، وبنت، ووحّدت، وفتحت أمام الأجيال طريقًا لم يكن مفروشًا بالسهولة، لكنه كان مضاءً بالإيمان والعمل.

ولعل أجمل وفاء لهم ألا نكتفي باستحضار أسمائهم في المناسبات، بل أن نستحضر القيم التي عاشوا من أجلها، وأن نفهم أن بناء الوطن لا ينتهي عند جيل، ولا يتوقف عند إنجاز، بل هو رحلة تتسلم فيها الأجيال الأمانة من بعضها بعضًا، وكل جيل مطالب بأن يترك لمن بعده وطنًا أكثر قوة، وأوسع أفقًا، وأغنى بالفرص، وأعمق في إنسانيته.

أما العلم، فسيظل شاهدًا على هذه الرحلة؛ يرفرف في سماء الوطن، بينما تتغير الوجوه، وتتجدد الأحلام، وتمضي السنوات. سيكبر الأطفال الذين يلوحون له اليوم، وسيحملونه يومًا في قلوبهم كما حمله آباؤهم، وسيأتي أطفال آخرون يتعلمون أن هذه الراية ليست مجرد مشهد احتفالي، بل حكاية وطن ينبغي أن يعرفوا تاريخه، ويفهموا قيمه، ويشاركوا في صناعة مستقبله.

في يوم العلم، لا أريد أن أكتفي بالنظر إلى الراية وهي ترتفع؛ أريد أن أستمع إلى ما توقظه في داخلي من مشاعر، وإلى ما تهمس به للضمير من أسئلة، وإلى ذلك الصوت الهادئ الذي يقول إن حب الوطن ليس لحظة انفعال عابرة، بل علاقة عمر، وذاكرة لا تنطفئ، وعهد يتجدد كلما رفرف العلم في السماء.

سلامٌ على وطنٍ جعل من الاتحاد بداية حكاية، ومن الطموح طريقًا، ومن العمل لغةً يفهمها المستقبل..

سلامٌ على أرضٍ نحبها لا لأنها تمنحنا أسباب الفخر فقط ا، بل لأنها تسكن فينا، فنحملها معنا أينما ذهبنا، ونشتاق إليها حين نبتعد، ونجد في اسمها شيئًا من أسمائنا، وفي عزتها شيئًا من كرامتنا، وفي رايتها صورةً لما نريد أن نظل عليه.

وفي الثالث من نوفمبر، حين ترتفع راية الإمارات، سأترك لقلبي أن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله:
يا علم الإمارات، لستَ رايةً نرفعها فوق رؤوسنا فحسب؛ أنت معنى نحمله في أعماقنا، ووطنٌ نراه في ألوانك، وذاكرةٌ تجمعنا، وأمانةٌ نرجو أن نكون أهلًا لها.
دمتَ عاليًا، ودامت الإمارات وطنًا يزداد به أبناؤه فخرًا، ويزداد بهم عطاءً، وتبقى رايته حكاية حبٍ لا تنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE