لم ينجُ كل "الطامحين" من هجوم ما، هذا الهجوم يبدأ مع هؤلاء منذ أيّام عمرهم الأولى، فإذا أردنا تجاوز ردّ فعل أقرانهم من أبناء جيلهم، لنخصّص حديثنا عن هجوم من يكبرونهم، "سنسميهم" الثعابين، هذا الهجوم الذي يتّخذ أشكالاً عدّة، تتجاوز حالات: الغيرة، والحسد، والحقد، والطمع... إلخ، إلى حدّ القضاء على أحلام هؤلاء الطامحين، بل وإنهاء حياتهم في أحوال معيّنة.
الأمر لا يتعدّى بحثه نطاق الشجاعة والخوف، هذه الثعابين أضاعت عمرًا خلف ستار الأمان، الذي كانت تمنحه مجموعة "المباحات" المسموحة في مقابل تلك الممنوعة، على أنّ هذا السماح ليس فكرةً مجرّدة تصلح لكلّ الظواهر والأزمنة، إنّه سماحٌ تحكمه مصلحتهم، التي تعتبِر "جُبنهم" أمراً مقدّساً، وحكيماً كذلك، هذا السماح المرهون بهَزالة، أو انعدام شخصيّة المدين به، تراه في ناحية ثانية وجهاً للتفاخر عند مخالفته من قبل هذا الثعبان، "لكنّه بالطبع فخرٌ مطلق القيود، بمعنى: لا سقف له"، حتى تلك المحرّمات الخاصّة به، محدود النطاق، بمعنى: "ضمن فئة ضيّقة"، لا يظهر فيها هذا "الفخر" إلى العلن.
عند قراءة هذه الصورة، ستجد حتماً أنّ هذا "الثعبان" أمضى زمناً طويلاً استغرق عمره كاملاً، فإذا تركناه وعمره، فهذا شأنه يضيعه كيفما شاء، كان لزاماً علينا ألّا نترك نتائج فعله هذا تطال حياتنا. لم يكن خاصّاً تأثيره هذا، لقد أحاط مَن حوله بقيوده، دفعهم هذا، بالذات الطامحين منهم، إلى تغيير طريق تنفيذ أحلامهم أو زيادة العقبات فيها، إن لم يكن تخلّيهم عنها. لقد كان هذا "الثعبان" مطيّةً لمصلحةٍ أعلى من مصلحته، تمتلك قوّةً أكبر، اضطرّته، طالما أنّه مصلحيّ الهوى، إلى بناء هيكل "فوق متحرّك". إنّها نظريتنا: "ظهر الحوت أو السلحفاة". سنتركها لموقع آخر.
هذا التركيب من بناء اللزوجة، مع مرور سنوات العمر، يخلق مصلحةً جديدةً في إثباتٍ مستمرٍّ يوميّ لصحّة مسار هذا "الثعبان" في كلّ تفاصيله. فهو، مع ذلك، مضطرٌّ إلى مهاجمة كلّ ثائر على هذا الهيكل "الخيطي الهلامي"، الذي لا يعني ضياع عمره فقط، بل يعني كذلك أنّ هناك من سيسود فكرة الحياة من جديد. لكنّ هذه السيادة ليست قابلة للالتفاف عليها والاستفادة منها. تأتي هذه الحالة، بحكم الضرورة، بعد اكتشاف الثعبان هشاشة كلّ مقدّساته، التي أظهرتها شجاعة "ثورة الطامح". لكنّ الأصعب وطأةً وأشدّها هو اكتشاف أنّ هذه الثورة كانت في متناوله، لكنّه التزم "أمانَهُ الموهوم"، الذي بات عليه أن يدفع ثمنه مضاعفاً الآن.
هنا يظهر انفجار داخليٌّ مفاجئ لدى هذا "الثعبان"، لا يسمح له بالهدوء والرضا بالواقع. هنا يظهر الفرق بين "الثورة والحقد". يدفعه هذا إلى محاولة سحب سنوات عمره، كي يعيدها مرّة واحدة في لحظات، في محاولة منه لاستدراك ما فاته، وفي ظنّه أنّ: "فهم طريقة الثورة واكتشاف شكل صناعتها" يكفيان لتنفيذها، واغتنام غنائم الشجاعة فيها. تبدأ معها ردّات فعله "الهوجاء" بكلّ اتجاهٍ حركيٍّ وشعوري، بل وإيمائيّ أيضاً. كذلك، تظهر معها للعلن حركة سريعة مؤذية في نظر الجميع، لا تقدّم سوى انكشاف أمره. إنّه جزء من الثمن الذي ينبغي دفعه. فالتجربة كائن لا يحتمل "النفخ". إنّه يحتاج، مع الشجاعة، أطواراً للنموّ، لا يمكن للحظةٍ أن تستجمعها.
لقد غفل هذا "الثعبان" حين اغترّ بعدد سنوات عمره، بل ومعها محطّات تفاعله فيها، ومجموع حصيلته منها، وهو يجمع "فكرة خبرته ومقدار جدارتها"، في ظنّه أنّ الخبرة هي مجموع سنين، مجموع مناصب، مجموع مال، مجموع صفقات، مجموع رحلات... إلخ. هذا هو الشخص الذي يرفض لأجل الرفض، ويكره لأجل الكره، ويُعادي لأجل العداء، ويهدم لأجل الهدم، لا لسبب آخر.
الحقيقة غير ذلك. الخبرة صاحبة الجدارة ليست "بالطول أو بالعرض، ولا بالكثرة أو القلّة". إنّها مجموع المغامرات، ليست أيّة مغامرات، إنّها تلك التي تكلّف كثيراً، وتُدفع فيها الخسارة قبل أن يُجنى منها الربح، وتُبعد عن الناس أكثر ممّا تقرّب منهم، وتدفع الأعداء أكثر من جلب الأصدقاء، وتجلب الوحشة أكثر من الأنس، وتُراكم النقد أكثر من الإطراء... إلخ. كلّ هذا في رصيد الثعبان: صفر.
منذ سنوات طوال، أثبتنا نظريتنا العامّة التي تصلح لكلّ مناحي الحياة، وهي: "يجب أن تتعلّم كيف تخسر قبل أن تتعلّم كيف تربح".