الفراغ في السياسة والطبيعة وغيرها، ليس سوى فهم خاطئ، خطأ الفهم هذا يندرج ضمن نظريتنا عن الخطأ، الذي يرى وجهاً جديداً يعظّم من مساوئه: الاعتقاد بأنّ فراغاً ما قد يحصل، مثلاً: إذا انهارت دولة، سقطت سلطة، ظهر زيف ادعاء، بانت كذبة رجل دين، شاعت فضيحة سياسي... إلخ.
خطأ الفهم هذا يولّد معه بالضرورة خطأً أشدّ منه، وهو: الحرص، "عند من يصدّق"، على عدم حصول "فراغ" كهذا، لكنه يبني فوقه كذلك خطأً أكبر منه، وهو: "الخوف، التسليم، التقديس".
في الجهة المقابلة لفهمٍ ما، يرى بعض هؤلاء أنّ فراغاً يحدث، لن نخوض الآن في أساس تحديد ماهيّة الفراغ، لكنّ الناس يدفعون ثمناً مضاعفاً نتيجة اعتقادهم "بنظرية الفراغ"، مثلاً: بدأ الناس اعتقاداتهم الدينيّة حين خافوا أن يُتركوا وحدهم دون سلطة عليا، بمعنى الفراغ، وفعلوا ما فعلوا من أجل عدم حصول هذا الفراغ. غير أنّ هذا الثمن لا يُدفع مرّة واحدة، إنّه متدرّج على مراحل، متراكم على أزمان.
سكوتهم الأوّل على تسلّط الفكرة كمرتبة أولى في دفع الثمن، والنتيجة التي انتهوا إليها بعد اكتشاف غبنهم في الثانية، والأسوأ هو الجزء الثالث في سلسلة الثمن: بعد "الظلم" الأوّل، ضياع العمر، والمتاعب، والفوضى الناتجة عن الثورة على اعتقادهم. هنا نستذكر مقولتنا: "اللي راح زمانه راحت أوزانه".
في نظريتنا: الخطأ أهمّ مراحل المسير. هذا لا يعني أنّنا متى أدركنا الخطأ وجب علينا تصحيحه بما كان يجب فعله عند حصول هذا الخطأ، لأنّ الزمان تغيّر ولو بلحظة، ولأنّنا سنعظّم من آثار هذا الخطأ. يجب أن نعلم أنّه لا شيء يعوّض، وفكرة التعويض اخترعها "الكاذبون" أصحاب المنافع فيها.
مسيرة العمر مجموعة تراكمات مترابطة، تترك كلّ واحدة منها خللاً لا يمكن استيعابه فيما بعد. يبقى هذا الخلل يتعاظم مع كلّ مرة نتقدّم فيها باتجاه الصواب، بمعنى تبقى آثار هذا الخطأ تنمو وتكبر وتؤثّر في كلّ لحظة.
هذا يعني أنّنا أمام صور عدّة. أوّلها: أن لا نخطئ. هذا أمر مستحيل "وفقاً للفهم التقليدي للخطأ"، لكنّه يحتّم مزيداً من التدقيق. هذا التدقيق بدوره يوجب علينا أن لا نؤمن بالفراغ، ولا بالفكرة المقدّسة.
ثانيها: أن نتعامل مع الخطأ على أنّه كذلك.
يعني هذا أنّه يجب علينا أن نعترف بأنّنا أخطأنا، لا أن نكابر وندّعي العكس. يستلزم هذا أن لا نلقي لوماً أو مسؤوليّة على الغير في اتخاذ القرار، مهما كانت درجة تأثير هذا الغير في قرارنا، لأنّنا نحن من صدّق. هذا لا يعني إعفاءه من المسؤوليّة مطلقاً، كما يستلزم هذا أن نتخلّى عن فكرة معالجة الخطأ، لأنّها خطأ بحدّ ذاتها، أكبر من الخطأ الأوّل، بل علينا أن نتولّى تدبير شأننا بطريقة مغايرة.
يمكننا ضرب مثل واقعي: في أحد الأيّام، دخلت مكتبي طالبة في الخمسين من عمرها، وأخبرتني بأنّها سجّلت مع ابنتها التي تدرس في ذات الجامعة في المساق الذي أدرّسه. طبعاً، كانت الأمّ فخورةً وهي تسرد لي قصّة "نجاحها" هذه بعد انقطاعٍ عن الدراسة، قبل أن أفاجئها برأيي، الذي يصنّف هذا باعتباره خطأً استراتيجيّاً.
مهمّة هذه الأمّ ليست أن تأتي إلى الجامعة إذا أرادت أن تتعلّم، وفقاً لما هو محبّذ. العلم لا يعني جلوساً في كرسيّ مؤسّسة. مكان هذه الأمّ، بل زمانها قبل ذلك، "صاحبي القداسة"، ومهمّتها التي تخلّت عنها هي: أن تكون أمّاً وزوجة. لقد اختارت العيش مع همٍّ قديم، حتى جاءت لحظة تمكّنت فيها من فعل ما كان "ينبغي" بالنسبة لها فعله منذ سنوات، وهو أمر خاطئ في نظريتنا. كان يجب عليها ألّا تترك فراغاً كبيراً كهذا، أضاعت فيه حتماً كلّ من يحتاجونها: أمّاً، وزوجة، وأختاً، أو بنتاً... إلخ. وهي، بالتالي، غيّرت مسيرتهم بعد أن أحدثت "فراغاً" فيها.