7 مارس 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: حس المسؤولية وقت الأزمات والكوارث

إن مايمر بنا حاليًا من حرب إقليمية يوجب علينا جميعًا  أن نتحلى بالنضج وتحمل المسؤولية، فالحرب هي من الكوارث والأزمات التي قد تحدث  بدون سابق إنذار مثلها مثل الزلازل والأوبئة، فالزلازل لا تستأذن، والأوبئة لا تطرق الأبواب قبل الدخول، والانهيارات المفاجئة – مهما اختلف نوعها – تكشف معادن البشر كما تكشف هشاشة الأنظمة. 

وفي قلب كل مشهد مضطرب، يبرز عنصر خفي لكنه حاسم: حسّ المسؤولية، ذاك الصوت الداخلي الذي لا ينتظر توجيهًا، ولا يبحث عن مبرر للانسحاب، بل يسأل نفسه بهدوء: ما الذي ينبغي عليّ فعله الآن؟.

لقد رأينا خلال جائحة كوفيد -19 كيف انقسم الناس بين من حمل عبء المرحلة بوعي وانضباط، ومن استسلم للفوضى أو اللامبلاة، فلم تكن تلك الجائحة الصحية اختبارًا للأنظمة الصحية وحسب، بل اختبارًا للضمير الفردي والجماعي، وهنا تتجلى قيمة حس المسؤولية، ليس كشعار أخلاقي، بل كطاقة سلوكية تصنع الفرق بين الإنهيار والتماسك.

أولاً: المسؤولية الذاتية… ضبط الداخل قبل الخارج
أول جوانب حس المسؤولية في الأزمات هو الجانب الذاتي، فالشخص المسؤول يبدأ بنفسه.
يضبط انفعالاته قبل أن يضبط قراراته.
يتحقق من المعلومات قبل نشرها.
يلتزم بالإجراءات الوقائية والتحذيرات الرسمية  حتى لو لم يُراقبه أحد.

المسؤولية الذاتية تعني أن أكون رقيبًا على سلوكي، وأن أعي أن كل تصرف، مهما بدا صغيرًا، قد يُحدث أثرًا متسلسلًا في محيطي، في الأزمات، الذعر مُعدٍ، وكذلك الوعي، والمسؤول الحقيقي يختار أن يكون مصدر طمأنينة لا مصدر اضطراب.

ثانيًا: المسؤولية الأخلاقية.. حين يتقدم الضمير على المصلحة
الأزمات تكشف معدن القيم. هل أحتكر السلع لأضمن راحتي؟ أم أكتفي بحاجتي لأترك لغيري نصيبه؟
المسؤولية الأخلاقية تتجلى في تقديم المصلحة العامة على الأنانية اللحظية. وهي ليست بطولة استثنائية، بل التزام يومي بعدم استغلال ضعف الظروف لتحقيق مكاسب ضيقة.
هذا الجانب يرتبط بصدق النية ونقاء الضمير، ويظهر في تفاصيل صغيرة: في كلمة دعم، في مساعدة جار، في تبرع صامت، في امتناع عن نشر شائعة.

ثالثًا: المسؤولية المهنية… الثبات في موقع الواجب
في الكوارث، يصبح بعض الناس خطوط الدفاع الأولى: الأطباء، الممرضون، رجال الأمن، فرق الإغاثة، الإعلاميون، المعلمون.. هنا يتحول العمل من وظيفة إلى رسالة.

المسؤولية المهنية تعني الالتزام بالمعايير رغم الضغط، والتمسك بالأخلاقيات رغم الخطر، واتخاذ قرارات مدروسة رغم ضيق الوقت.

هذا النوع من المسؤولية يتطلب شجاعة معرفية وانضباطًا داخليًا، لأنه يُمارس في بيئة يسودها القلق وعدم اليقين. وهو ما يجعل التدريب المسبق، والاستعداد النفسي، وبناء ثقافة مؤسسية قائمة على الواجب عناصر حاسمة قبل وقوع الأزمة لا بعدها.

رابعًا: المسؤولية القيادية… صناعة الأمل وسط العاصفة
القائد في الأزمات لا يملك ترف الارتباك العلني.
حس المسؤولية القيادي يتمثل في:
وضوح الرؤية رغم ضبابية المشهد.
شفافية التواصل دون تهويل أو تقليل.
توزيع الأدوار بعدل وكفاءة.
حماية الفريق نفسيًا قبل حمايته تنظيميًا.
القائد المسؤول لا يدّعي الكمال، لكنه يعترف بالتحديات ويشارك الحلول، إنه يبني الثقة لا بالخطب، بل بالفعل المنظم، والقرار المتزن، والحضور الإنساني.

خامسًا: المسؤولية المجتمعية… التضامن كقوة ناعمة
لا تنجح المجتمعات في تجاوز الأزمات بقوة القوانين وحدها، بل بقوة الروابط.
المسؤولية المجتمعية تعني أن يشعر كل فرد أنه جزء من شبكة أمان أوسع.
أن يدرك أن التزامه بالتعليمات حماية لغيره قبل أن يكون حماية لنفسه.
أن يعي أن الإبلاغ عن الخطر، أو التطوع، أو المشاركة في حملات التوعية، هو مساهمة حقيقية في إنقاذ الأرواح.
التضامن ليس مشهدًا عاطفيًا عابرًا، بل سلوكًا عمليًا يختصر زمن التعافي ويقلل حجم الخسائر.

سادسًا: المسؤولية المعرفية… مقاومة الشائعة وصناعة الوعي
في عصر الإعلام الرقمي، تنتشر الشائعة أسرع من الفيروس.
لذلك فإن المسؤولية المعرفية تفرض علينا:
التحقق من المصادر.
تجنب إعادة نشر الأخبار غير المؤكدة.
دعم الخطاب العلمي الرصين.
فالمعلومة الخاطئة قد تُفشل خطة كاملة، وتُربك مجتمعًا بأكمله. لذلك، الوعي لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل خط دفاع استراتيجي.

حس المسؤولية في الأزمات ليس رد فعل عاطفيًا، بل منظومة قيم وسلوكيات تتجذر قبل وقوع الكارثة، هو استعداد داخلي يجعلنا نتصرف بوعي حين يفقد الآخرون اتزانهم.
إنه القدرة على أن نقول: سأفعل ما يجب، لا ما هو سهل.
أن نختار الواجب على الراحة، والنظام على الفوضى، والوعي على الذعر.

وحين ننظر إلى الوضع الراهن في عالم تتكرر فيه التحديات بوتيرة متسارعة، ندرك أن بناء حس المسؤولية لم يعد خيارًا تربويًا ثانويًا، بل ضرورة حضارية، فالأزمات لا تُقاس بحجمها فقط، بل بطريقة استجابتنا لها.

في النهاية، قد لا نملك منع العاصفة، لكننا نملك أن نكون أشخاصًا يُحسنون الوقوف أثناءها، وهنا تحديداً يبدأ الفرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE