17 أكتوبر 2026
عبير الهاجري تكتب: الخليج.. أرض صقلتها الأزمات

لم تكن أزمات الخليج وليدة اليوم، ولم تكن هذه المنطقة بمنأى عن الأطماع والتحديات قبل قيام دولها الحديثة، فمنذ القرون الماضية، شهدت سواحلها صراعات على السيادة والممرات البحرية، وعرفت مجتمعاتها الشدائد الاقتصادية والمجاعات وتقلبات التجارة، ثم عاصرت حروباً إقليمية اختبرت أمنها واستقرارها. 

وعلى امتداد هذه المراحل، لم تكن حياة أهل الخليج منفصلة عن التحديات، بل تشكلت خبراتهم من قدرتهم على التكيف معها، والمحافظة على روابطهم، وإعادة بناء مقومات قوتهم.

ومع قيام الدول الخليجية الحديثة، انتقلت المنطقة إلى مرحلة جديدة من البناء، وجاء تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 ليؤطر إرادة التعاون وتنسيق المصالح بين دولها، ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخ طويل من الاختبارات؛ غير أن اختلاف المرحلة الراهنة يكمن في اتساع المصالح المرتبطة بالخليج، وتعاظم أهميته الاستراتيجية، وما تحمله ممراته البحرية وموارده الاقتصادية من تأثير يتجاوز حدوده الجغرافية.

إن التحدي اليوم لا يقتصر على حماية استقرار كل دولة ومكتسباتها، بل يشمل أيضاً صيانة العمل الخليجي المشترك، وتحويل دروس الأزمات السابقة إلى مزيد من التنسيق والتكامل. فالتاريخ لا يضمن تكرار النتائج ذاتها، لكنه يمنحنا ما نستطيع أن نتعلم منه؛ ويذكرنا بأن قوة المجتمعات لا تقاس بغياب المحن، بل بقدرتها على التعامل معها دون التفريط في مقومات تماسكها.

وحين نتأمل مسيرة مجلس التعاون، ندرك أن وحدة المصير لا تعني تطابق المواقف في كل مسألة، وإنما تعني إدراك أن ما يجمع دول الخليج وشعوبها أوسع من اختلافاتها، وأن المصالح المشتركة والروابط الاجتماعية والأسرية تستحق وعياً يحفظها ويعززها.

وحين اقتربت تطلعات التكامل الخليجي من خطوات أوسع، ازدادت أهمية حماية ما تحقق من تعاون، وتطوير مؤسساته، وإدراك أن الهوية المشتركة لا تستمر بمجرد الاعتزاز بها، وإنما بما يسندها من عمل ومسؤولية.

وأنا مواطنة إماراتية أعتز بوطني، وأفخر بهويتي الوطنية وبكل ما تحمله من قيم وانتماء ومسؤولية، وهذا الاعتزاز لا ينفصل عن اعتزازي بإرثنا الخليجي؛ فهو تاريخ مشترك، ووصية نحملها، وهوية نحرص على توريثها للأجيال. إن انتمائي إلى الإمارات لا يضيق بدائرة الخليج، بل يمنحني سبباً إضافياً للاعتزاز بهذا الإرث الذي جمع شعوب المنطقة، وصاغ بينها روابط لا تختصرها اختلافات الجنسيات أو اللهجات.

فأنت، أيها المواطن الخليجي، حين تغادر حدود منطقتك، قد يعرفك الآخرون أولاً بوصفك خليجياً، قبل أن يعرفوا إن كنت إماراتياً أو سعودياً أو قطرياً أو بحرينياً أو عمانياً أو كويتياً، وبينما نعرف نحن تفاصيل لهجاتنا وعاداتنا وملامح تراثنا التي تميز كل دولة، يرى كثيرون خارج المنطقة إطاراً خليجياً مشتركاً يجمعنا.

وهذه الحقيقة لا تنتقص من خصوصية أي وطن، بل تضع أمامنا مسؤولية صون هويتنا الوطنية والخليجية معاً، من غير أن تطغى إحداهما على الأخرى. ومن هنا، فإن المصطلحات التي تُسقط على وحدتنا من خارج سياقنا، أو التوصيفات التي تتجاهل تاريخنا وروابطنا، لا ينبغي أن تحدد فهمنا لأنفسنا؛ فالتعاون الخليجي لا يحتاج إلى استعارة معنى غريب عنه بقدر ما يحتاج إلى قراءة واعية لتاريخه، وإلى عمل يترجم مصالح شعوبه إلى شراكة راسخة.

لقد صقلتنا الأزمات، لكننا لسنا مطالبين بإنكار اختلافاتنا حتى نحافظ على تماسكنا، بل بأن نحسن إدارتها، وألا نسمح للخلاف بأن يتحول إلى شرخ في روابط أعمق من ظرف عابر. فأرض الخليج ليست أرضاً لم تعرف التحديات، وإنما أرض تعلمت مجتمعاتها كيف تواجهها وتنهض بعدها.

وصلابة هذا الخليج لا تُقاس بغياب الخدوش، بل بقدرته على منعها من التحول إلى شروخ؛ فهذه الروابط ليست وليدة ظرف، ولا تُختزل في موقف، إنها إرث صنعته التجربة، وتحفظه المسؤولية، وتتجدد قوته كلما اختار أهله أن يجعلوا من التحديات سبباً لمزيد من التماسك.

ستبقى دول الخليج مختلفة في خصوصياتها، متآلفة في مصالحها، ومترابطة بإرثها؛ أرضاً صلبة لا تتسع فيها الثغرات حين يتقدم الوعي، وتزداد جسورها رسوخاً كلما اختُبرت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE