في دولةٍ اتّخذت من استشراف المستقبل نهجًا استباقيًا، لا يُنظر إلى الذّكاء الاصطناعي بوصفه ابتكارًا تقنيًّا فحسب، بل ركيزةً لتعزيز جاهزيّة الدّولةِ للمستقبل وتحقيق رؤيتِها، ودَفع مسيرتِها التّنمويَّةِ؛ لذلِك أولَت دولة الإماراتِ هذا المجال اهتمامًا استراتيجيًّا، وسعت لبناء منظومةٍ مُتكاملةٍ تشمل مختلف القطاعاتِ، وتعزّز من تنافسيّتها العالميّة، وترسّخ مكانتها بين الدّول الرّائدة في التطوّر والابتكار.
ولترجمةِ هذا التّوجّه، أطلقَت دولة الإماراتِ: (استراتيجيّة الإمارات للذّكاء الاصطناعيّ 2031)، الّتي تسهم في تحقيق مئويّة الإماراتِ، وتوظيف الذّكاء الاصطناعي للارتقاء بالأداءِ، وتستهدف الاستراتيجيّة عدّة قطاعات حيويّة، وترتكزُ على خمسة محاور تُعنى بِبِناءِ منظومةٍ متكاملةٍ، تشمل تشكيل المجالس وفرق العملِ، وإطلاق المبادراتِ، وتنمية الكفاءات الوطنيّة، وتمكين الجهات الحكوميّة من توظيف الذّكاء الاصطناعيّ في خدماتها وعمليّاتها.
انتقلت الدّولة لتحويل هذه الاستراتيجيّة إلى واقعٍ، عبر دمجِ الذّكاء الاصطناعيّ في القطاعات المختلفةِ؛ لرفع الكفاءةِ وتحسين جودة الخدمات وتسريع اتّخاذ القراراتِ بناءً على المعطيات، وشمل ذلك مجالات التّعليم والصحّة والخدمات الحكوميَّة، وكذلِك الصّناعة، وغيرها. ومن أبرز هذه المبادراتِ مشروع "نوفا" في وزارة التّربية والتّعليمِ، وهو مشروعٌ تحوليّ يعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ لتطوير العمليّات المؤسسيّة في الوزارةِ ودعم صناعة القرارِ. أمّا في القطاع الصناعيّ، أُطلِقَ برنامج التحوّل التكنولوجيّ في القطاعات الصناعيّة والإنتاجيّة في الدّولةِ، إلى جانب مؤشّر التّحوّل التّكنولوجيّ الصّناعي؛ لقياس أثر تبنّي التّقنيات المتقدّمة، وتعزيز تنافسيّة القطاع، وتحسين كفاءةِ عمليّاتهِ.
وتعكس هذه الجهود رؤيةً تؤمن بأنّ الذّكاء الاصطناعيّ أداةٌ لتمكين الإنسان، وليست بديلًا عن الفكر والإبداع البشريّ؛ لذلك اتّجهت الدّولة إلى الاستثمار في بناءِ قدراتِ الأفرادِ، انطلاقًا من إيمانها أن نجاح التّحول التقني يبدأ بإنسانٍ قادرٍ على فهم هذه التّقنيات وتوظيفها بمسؤوليّة. فصدر قرارُ إدراج مفاهيم الذّكاء الاصطناعيّ في المناهج الدّراسيّة لإعداد أجيالٍ واعية بِفُرصه وتحدّياته، كما أنشِئَتْ جامعة محمّد بن زايد للذّكاء الاصطناعي لتأهيل الكفاءات المتخصّصة، وأُطلقت مبادرة «مليون خبير لأوامر الذّكاء الاصطناعي» بإشراف مركز دبي لاستخدامات الذّكاء الاصطناعي التّابع لمؤسّسة دبي للمستقبل. هذا إلى جانب برامج تدريبيّة تستهدف مُوَظّفي الجهات الحكومية؛ لتمكينهم من توظيف أدوات الذّكاء الاصطناعي بكفاءةٍ وفاعلية في بيئة العملِ.
إن تجربة دولة الإماراتِ في الذّكاء الاصطناعيّ، تؤكّد أنّ التحوّل الرقميّ قرار استراتيجيّ ورؤية بعيدة المدى، واستثمار مستمرّ في الإنسانِ، فصناعة المستقبل تبدأ بصناعةِ إنسان الغدِ، واعتباره أولويّة الخططِ والرّؤى، كما قال صاحب السموّ الشّيخ محمد بن راشد آل مكتوم – رعاه الله - : "العالم متغيّرٌ، والأدوات تتطوّر، والتّقنيات تتسارع، وسيبقى الهدف الأساسيّ الإنسان، وستبقى غايتنا خلق أفضل بيئةٍ لإطلاق إمكانيّاته وتحقيق غاياته وبناء حياته الكريمة".