23 يناير 2026
الأطباء: الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة وليس طبيبًا

يتزايد اهتمام الأطباء بإمكانات الذكاء الاصطناعي ودوره المرتقب في تطوير أنظمة الرعاية الصحية، غير أن هذا الترحيب لا يخلو من تحفظات واضحة، خاصة عندما يتحول إلى بديل مباشر للطبيب أو مصدر للنصيحة الطبية عبر روبوتات المحادثة، وهو ما يثير مخاوف مهنية وأخلاقية متنامية داخل القطاع الطبي.

ويعرض الدكتور سينا باري، الجراح الممارس والقيادي في مجال الذكاء الاصطناعي الصحي بشركة iMerit، مثالاً عملياً يوضح حجم الإشكاليةـ إذ راجعه أحد المرضى حاملاً نصاً مطبوعاً لمحادثة مع شات جي بي تي، يتضمن ادعاءً بأن دواءً معيناً يرفع خطر الإصابة بالانسداد الرئوي بنسبة 45%.

وبحسب باري، فإن مراجعة هذه المعلومة كشفت أنها مستندة إلى دراسة تخص شريحة محدودة من مرضى السل، ولا تنطبق علمياً على حالة المريض، وهو ما يعكس خطورة الاعتماد غير المنضبط على أدوات الذكاء الاصطناعي في تفسير البيانات الطبية، وفق تقرير نشره موقع “تك كرانش”.

ورغم هذه التجربة، لم ينظر باري بقلق إلى إعلان شركة OpenAI عن إطلاق خدمة ChatGPT Health، بل تعامل معها بتفاؤل مشوب بالحذر، معتبراً أن الخطوة تمثل تنظيماً لواقع قائم بالفعل، لا سيما أنها توفر مستوى أعلى من الخصوصية عبر عدم استخدام بيانات المستخدمين في تدريب النماذج.

ومن المتوقع أن تتيح الخدمة الجديدة، المقرر إطلاقها خلال أسابيع، للمستخدمين رفع سجلاتهم الطبية وربطها بتطبيقات صحية مثل Apple Health وMyFitnessPal، بهدف تقديم إرشادات أكثر تخصيصاً ودقة.

إلا أن هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات جدية تتعلق بحماية البيانات الصحية، خصوصاً مع انتقال معلومات حساسة من جهات تخضع لقانون HIPAA إلى شركات تقنية لا تخضع للإطار التنظيمي نفسه.

ويرى مختصون أن هذا الجدل جاء متأخراً، في ظل اعتماد ملايين المستخدمين بالفعل على روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات صحية، بديلاً عن البحث التقليدي عبر الإنترنت، حيث يتفاعل أكثر من 230 مليون شخص أسبوعياً مع شات جي بي تي حول موضوعات طبية مختلفة.

ومع ذلك، تظل مشكلة الأخطاء أو ما يعرف بهلوسة الذكاء الاصطناعي مصدر قلق حقيقي في المجال الطبي، إذ تشير تقييمات متخصصة إلى أن بعض نماذج OpenAI أكثر عرضة لعدم الدقة مقارنة بنماذج منافسة.

في المقابل، ترى شركات التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف أزمات حقيقية داخل أنظمة الرعاية الصحية، وعلى رأسها نقص الأطباء وطول فترات الانتظار.

ويؤكد الدكتور نيغام شاه، أستاذ الطب في جامعة ستانفورد وكبير علماء البيانات في Stanford Health Care، أن صعوبة الوصول إلى الأطباء تمثل خطراً أكبر من احتمالية تلقي معلومات غير دقيقة، لافتاً إلى أن انتظار موعد مع طبيب رعاية أولية قد يمتد من ثلاثة إلى ستة أشهر، ويتساءل: هل ينتظر المريض نصف عام، أم يلجأ إلى أداة قد لا تكون طبيباً لكنها تقدم له فائدة جزئية؟

ومع ذلك، يرى شاه أن الاستخدام الأكثر فاعلية للذكاء الاصطناعي يجب أن يكون من جانب مقدمي الرعاية الصحية أنفسهم، لا المرضى، فالأعباء الإدارية تستهلك ما يقارب نصف وقت أطباء الرعاية الأولية، ما يحد من قدرتهم على استقبال عدد أكبر من المرضى، في حين أن أتمتة هذه المهام قد تحسن مستوى الوصول إلى الرعاية بشكل ملموس.

وفي هذا الإطار، تعمل جامعة ستانفورد على تطوير نظام ChatEHR، وهو أداة مدمجة ضمن السجلات الطبية الإلكترونية، تهدف إلى مساعدة الأطباء على التعامل مع بيانات المرضى بسرعة وكفاءة أعلى، بدلاً من التنقل بين ملفات معقدة ومتشعبة.

وتسير شركة أنثروبيك في الاتجاه نفسه، بعدما أعلنت عن حلول ذكاء اصطناعي مخصصة للأطباء وشركات التأمين، تستهدف تقليص الوقت المستهلك في الإجراءات الروتينية مثل طلبات الموافقات المسبقة، بما يوفر وقتاً ثميناً لكل حالة.

ومع تعمق حضور الذكاء الاصطناعي في القطاع الطبي، يستمر التوتر بين منطق الرعاية الصحية ومنطق شركات التكنولوجيا، فبينما يضع الأطباء سلامة المرضى في صدارة أولوياتهم، تبقى شركات التقنية محكومة في نهاية المطاف بحسابات السوق ومصالح المساهمين.

ويختتم الدكتور باري بالقول إن هذا التوتر صحي وضروري، لأن المرضى يعتمدون على الأطباء ليكونوا حذرين ومتشككين، باعتبار ذلك خط الدفاع الأول عن سلامتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE