دخلت العلاقات الإماراتية-الألمانية مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، مع إعلان البلدين إطلاق إطار مؤسسي للحوار الاستراتيجي وتوسيع مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد والاستثمار والدفاع والطاقة والتكنولوجيا والبيئة، إلى جانب تعزيز التنسيق بشأن الملفات الإقليمية والدولية. وجاء الإعلان عقب زيارة الدولة التي أجراها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى ألمانيا خلال الفترة من 9 إلى 11 سبتمبر 2026، في أول زيارة دولة لرئيس إماراتي إلى ألمانيا.
وأشار الإعلان المشترك الصادر بمناسبة الزيارة إلى أن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان التقى خلالها الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير والمستشار فريدريش ميرتس، في محطة وصفها الجانبان بالمهمة في مسار العلاقات الثنائية، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والنظام الدولي.
وأكد الطرفان أن المرحلة الراهنة تبرز أهمية الشراكات القائمة على الثقة وتقارب الرؤى، مجددين عزمهما على الإسهام في حماية النظام الدولي وتعزيز الاستقرار، بالتزامن مع تصاعد التحديات والتقلبات الإقليمية والجيوسياسية.
الازدهار الاقتصادي
كرّس البلدان خلال الزيارة التزامهما المشترك بدعم السلام والأمن والازدهار الاقتصادي، إلى جانب تطوير تطبيقات تقنيات المستقبل وتعزيز مسارات التنمية المستدامة.
وأعلن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وفريدريش ميرتس تأسيس إطار للحوار الاستراتيجي بين البلدين، بهدف ترسيخ الشراكة التي تعود إلى عام 2004 وتطويرها على أسس أكثر مؤسسية واستدامة.
ويغطي الحوار المرتقب مجموعة واسعة من المجالات، تشمل الأمن الدولي والإقليمي والدفاع والتجارة والاستثمار والطاقة والمناخ والتكنولوجيا الناشئة والرقمنة والاقتصاد والنقل والبيئة والثقافة والتعليم، مع التركيز على تحويل مسارات التعاون إلى نتائج عملية تخدم المصالح المشتركة.
وأكد الجانبان أن الإطار الجديد يمثل استثماراً طويل الأمد في العلاقات الثنائية، ويوفر منصة مؤسسية لتحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات وبرامج تعاون مستدامة.
وفي الجانب الاقتصادي، شدد الطرفان على أهمية توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية، مع التركيز على القطاعات ذات الأولوية بالنسبة إلى البلدين.
وشهدت الزيارة الترحيب بتوقيع إعلان نوايا مشترك لإنشاء مجلس الاستثمار الإماراتي-الألماني، ليكون منصة تجمع القطاعين الحكومي والخاص وتدعم تدفق الاستثمارات وتعزز فرص التعاون بين الجانبين.
كما أشاد البلدان بمخرجات منتدى الأعمال الإماراتي-الألماني، واستئناف اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة، مؤكدين أهمية استمرار العمل على زيادة الاستثمارات والمشروعات المشتركة وتعميق الروابط الاقتصادية.
40 مليار يورو
وفي تطور لافت، رحّب الجانبان بتوقيع 30 مذكرة تفاهم واتفاقية بين شركات إماراتية وألمانية، بقيمة إجمالية تجاوزت 9.66 مليار يورو، في مؤشر على اتساع نطاق الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين.
كذلك أعلن عن حزمة استثمارات إماراتية بقيمة 40 مليار يورو في ألمانيا، في خطوة تعكس الرغبة المشتركة في رفع مستوى الشراكة الاستراتيجية، وتؤكد ثقة الإمارات بألمانيا كوجهة للاستثمار والابتكار والنمو الصناعي.
ومن المنتظر أن تدعم هذه الاستثمارات القدرة التنافسية للقطاع الصناعي الألماني، وتعزز التطور التكنولوجي والنمو الاقتصادي على المدى الطويل، إلى جانب تمويل مشروعات في البنية التحتية الرقمية، من بينها مراكز بيانات متطورة تصل طاقتها الاستيعابية إلى نحو 1 غيغاواط.
وتعهدت ألمانيا بتوفير الظروف المناسبة التي تتيح تنفيذ هذه المشروعات ودعم توسع الاستثمارات الإماراتية في القطاعات المستهدفة.
أدنوك ومصدر
وبالتوازي مع الحزمة الاستثمارية، رحّب الجانبان بخطط جديدة لتعزيز الاستثمارات والشراكات بين الشركات الإماراتية والألمانية، بما يشمل مبادرات تجمع كوفسترو و"أر دبليو إي" و"أدنوك" و"مصدر".
وتستند هذه التحركات إلى قاعدة قائمة من الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا، من بينها استثمار شركة "إكس آر جي" بنحو 15 مليار يورو في كوفسترو، بما يعكس تنامي حجم العلاقات الاقتصادية وتوسع طموحاتها المستقبلية.
وسجلت التجارة الثنائية غير النفطية 13.5 مليار يورو خلال 2025، بزيادة تجاوزت 14% مقارنة بعام 2024، فيما تخطت التدفقات الاستثمارية التراكمية بين البلدين 8.6 مليار يورو خلال الفترة من 2021 إلى 2025.
وأشاد الجانبان كذلك بالتقدم المحرز في المفاوضات بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات والاتحاد الأوروبي.
مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي
وتخوض الإمارات مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل أكبر سوق موحدة في العالم، للتوصل إلى اتفاقية تجارة حرة، فيما أكد البلدان دعمهما لإبرام اتفاق شامل وطموح يعزز حركة التجارة والاستثمار.
ويرى الجانبان أن تعميق العلاقات التجارية بين الإمارات والاتحاد الأوروبي عبر اتفاقية شاملة من شأنه أن يفتح فرصاً اقتصادية جديدة ويحقق مكاسب متبادلة للجانبين.
وفي المجال الدفاعي، اعتبر الطرفان أن توسيع التعاون في الدفاع والتكنولوجيا الدفاعية يمثل أحد المكونات الأساسية للعلاقات الثنائية، ورحبا بتوقيع خطاب نوايا لاستكشاف فرص التعاون في هذا القطاع.
كما شهدت الزيارة انعقاد طاولة مستديرة رفيعة المستوى حول الدفاع، إلى جانب توقيع خطاب نوايا بشأن التعاون الشرطي والأمني، مع اتفاق على الارتقاء بهذا المسار إلى مستوى شراكة استراتيجية أوسع.
الطاقة وأمن الإمدادات
وتطرق الإعلان المشترك إلى الشراكة القائمة بين الإمارات وألمانيا في قطاع الطاقة، حيث جدد البلدان التزامهما بتطوير التعاون وتعزيز أمن الطاقة ومرونة منظوماتها.
وأبرز الجانبان القيمة الاستراتيجية لهذا التعاون في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، مؤكدين استمرار العمل المشترك في مختلف مجالات الطاقة.
وشدد الطرفان على أهمية توفير إمدادات طاقة آمنة ومتنوعة وبأسعار ميسورة لاقتصادي البلدين ولأوروبا بصورة أوسع، مع دعم الشراكات بين الشركات الرائدة من الجانبين.
كما رحّبا بالتطور المتواصل لـ"التحالف العالمي لكفاءة الطاقة"، وأكدا أن رفع كفاءة استخدام الطاقة يمثل عنصراً رئيساً في تسريع التحول العالمي نحو منظومات طاقة أكثر استدامة.
وبصفتهما عضوين مؤسسين في الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "أيرينا"، جدد البلدان دعمهما لدور الوكالة في دفع التحول العالمي في قطاع الطاقة، مؤكدين استمرار التعاون الوثيق بينهما.
وأشادت ألمانيا بالدور الذي تضطلع به الإمارات في خفض انبعاثات الميثان من قطاع النفط والغاز، إلى جانب جهودها في إطلاق ميثاق خفض انبعاثات القطاع خلال مؤتمر الأطراف "COP28".
التعاون الصناعي
وفي القطاع الصناعي، أكد البلدان أن توسيع التعاون في الصناعات المتقدمة والتصنيع يمثل عاملاً أساسياً في تحقيق نمو اقتصادي طويل الأمد يعود بالنفع على الطرفين.
وأشار الجانبان إلى ضرورة تعزيز الشراكات بين الشركات الإماراتية والألمانية من خلال الاستثمار والابتكار والتطوير المشترك، بما يسهم في رفع القدرات الصناعية وتعزيز التنافسية وتطوير سلاسل توريد أكثر مرونة.
أما في مجال التقنيات الحساسة، فقد اتفق الطرفان على توسيع التعاون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة، وتعزيز تبادل الخبرات والاستثمارات والبحث والتطوير، بما يشمل تنفيذ مشروعات تطوير مشتركة في القطاعات ذات الأولوية.
إعلان النوايا المشترك
وفي مجال التكنولوجيا المتقدمة، رحّب الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وفريدريش ميرتس بإعلان نوايا مشترك يبحث فرص التعاون في تخزين البيانات ونظم المعلومات عبر إنشاء سفارات رقمية.
ويهدف هذا المسار إلى تطوير نموذج للدبلوماسية التكنولوجية يعتمد على بنية تحتية رقمية آمنة ومرنة، ويدعم بناء أسس موثوقة للتعاون الرقمي بين البلدين.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، أكد الجانبان الأهمية الاستراتيجية للزراعة المستدامة وتطوير نظم غذائية مبتكرة، مع الاستفادة من الخبرات الإماراتية في التقنيات الغذائية المتقدمة والقدرات الصناعية والتكنولوجية الألمانية.
كما بحث الطرفان فرص توسيع التعاون في الزراعة الحديثة وسلاسل القيمة الزراعية، بما يشمل التقنيات الزراعية والمنتجات الأساسية، ومنها الأسمدة.
وفي ملف الاستدامة، أشاد البلدان بالتحضيرات الجارية لـ"مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026"، الذي تستضيفه الإمارات بالشراكة مع السنغال في أبوظبي خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر (كانون الأول) 2026، مؤكدين أهمية المؤتمر في توسيع الشراكات وحشد الاستثمارات ودعم الحلول العملية والمبتكرة للتحديات المائية.
ورحب الجانبان كذلك بتوقيع إعلان نوايا مشترك بشأن التعاون البيئي، فيما أثنت الإمارات على تولي ألمانيا منصب الرئيس المشارك للحوار التفاعلي حول "المياه في العمليات متعددة الأطراف"، مؤكدة أهمية الحوار في تطوير مقاربات عملية ومتعددة الأطراف للتعامل مع قضايا المياه عالمياً.
الطيران
وتحظى العلاقات الإماراتية-الألمانية في مجال الطيران المدني بقاعدة قوية، مدعومة بشبكة واسعة من الرحلات الجوية ونمو العلاقات التجارية والاقتصادية والسياحية بين البلدين.
وفي هذا الإطار، وافقت ألمانيا على إضافة نقطة خامسة إلى شبكة المسارات الجوية للناقلات الوطنية الإماراتية، بما يسمح لإحدى الناقلات بتشغيل عدد متفق عليه من الرحلات إلى الوجهة الجديدة، إلى جانب النقاط الأربع الحالية، مع الإبقاء على مستوى الرحلات المخصص للناقل إلى الوجهات الأربع القائمة.
تيسير دخول الإماراتيين
وشهدت الزيارة أيضاً توقيع مجموعة من الاتفاقيات الجديدة، من بينها اتفاق يتعلق بتسهيل دخول المواطنين الإماراتيين عبر المطارات الألمانية باستخدام نظام "EasyPASS"، إلى جانب اتفاقية للمساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية.
وأعرب الطرفان عن تطلعهما إلى استكمال الاتفاقيات الأخرى التي لا تزال قيد التفاوض، ومن بينها الاتفاقية الخاصة بتجنب الازدواج الضريبي.
وفي المجال الثقافي، اتفق البلدان على تعزيز التواصل بين الشعبين وتوسيع التعاون في الثقافة والأدب والتراث والصناعات الإبداعية، باعتبارها مجالات قادرة على تعميق الروابط الإنسانية بين الجانبين.
وعلى المستوى السياسي، تبادل الطرفان وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والدولية، مؤكدين أهمية الإسهام في تحقيق السلام والاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، ودعم الدبلوماسية والحوار كوسيلتين لمعالجة الأزمات.
الهجمات الإيرانية
وفي هذا السياق، أعرب رئيس الدولة عن تقديره للموقف الألماني الداعم للإمارات والمتضامن معها في مواجهة الهجمات الإيرانية، معتبراً أن هذا الموقف يعكس عمق الصداقة والشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
ومن جانبه، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس تضامن بلاده مع الإمارات وشركائها في المنطقة، فيما دان الجانبان بأشد العبارات الهجمات الإيرانية التي استهدفت الإمارات ودولاً أخرى في المنطقة.
واعتبر الطرفان أن استهداف البنية التحتية المدنية يمثل انتهاكاً لسيادة الدول وسلامة أراضيها ومخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما أدانا الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز والتهديدات والهجمات التي طالت السفن التجارية وسفن الشحن.
وشدد الجانبان على ضرورة احترام القانون الدولي، بما في ذلك حق المرور العابر في المضائق الدولية، استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 لعام 2026.
وطالب البلدان إيران بالامتناع عن أي إجراءات أو تهديدات تستهدف إغلاق مضيق هرمز أو عرقلة حركة العبور فيه، أو استهداف السفن التجارية وسفن الشحن في المضيق والمناطق المحيطة به، مع الإشارة إلى قرارات ومخرجات مجلس الأمن واللجان التابعة للمنظمة البحرية الدولية.
كما جدد الطرفان موقفهما الداعي إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والتصدي للتهديدات المرتبطة ببرنامجها الصاروخي ومنظومات الطائرات المسيّرة وغيرها من التقنيات ذات الصلة، فضلاً عن دعمها واستخدامها للوكلاء والجهات الفاعلة من غير الدول في المنطقة وخارجها.