هذا المقال لا يقف مع التوسع في التجنيس ولا ضده، ولا يقدم رأياً قانونياً، ولا يبرر سياسة قائمة أو يهاجمها، هو محاولة لتحرير فكرة التجنيس من ثنائية التأييد والرفض، والنظر إليها كأداة من بين أدوات أخرى تدخل في بناء الدولة، مع سؤال أعمق: كيف يتغير معنى هذه الأداة حين تنتقل الدولة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة القوة؟
حين تصبح المهارة سؤالاً عن المنظومة لا عن الفرد
المهارة حين تصبح قضية وطنية لا تبقى سؤالاً عن أشخاص متفرقين، بل تتحول إلى سؤال عن منظومة كاملة، وعن اللحظة التي يتحول فيها العقل النادر من مورد بشري إلى قيمة وطنية. وعند هذه النقطة لا يعود الحديث مقتصراً على الاستقدام أو التعاقد أو الإقامة، بل نصل إلى أداة أكثر عمقاً وحساسية: التجنيس.
والحديث هنا عن التجنيس بمعناه الدقيق: منح الجنسية، والوثيقة التي تجعل الإنسان جزءاً من الدولة قانونياً، وتربط مستقبله بمستقبلها، وتفتح أمامه علاقة مختلفة جذرياً عن علاقة المقيم أو صاحب الخبرة المؤقتة.
وهذا هو مدار النقاش.
لسنا مع توسيع التجنيس، ولسنا ضده، لا نحاول أن نبرر سياسة قائمة، ولا أن نهاجمها، إنما نحاول أن نسأل السؤال الأهم: كيف يتغير معنى هذه الأداة عندما تنتقل الدولة من مرحلة البناء إلى مرحلة القوة؟
فالدول لا تحتاج إلى الشيء نفسه في كل مراحلها.
في بدايات التأسيس، تكون الحاجة إلى الأيدي التي تعمل، والعقول التي تؤسس، والخبرات التي تنقل المعرفة، والطاقات التي تساعد على إنشاء المؤسسات وتحريك الاقتصاد وبناء البنية الأساسية، وفي تلك المرحلة قد يصبح وجود الإنسان نفسه جزءاً من عملية البناء.
لكن الدولة التي قطعت شوطاً كبيراً في بناء مؤسساتها واقتصادها وبنيتها الأساسية لا تقف أمام السؤال ذاته.
فحين تقوى الدولة، تتغير طبيعة حاجتها.
لا تعود المسألة في الحصول على الخبرة فقط، بل في الاحتفاظ بالمعرفة، ولا يصبح التحدي في العثور على من يؤدي المهمة، بل في العثور على من يجعل المهمة بداية لقدرة تستمر بعده، وهنا يتغير معنى التجنيس.
حين كانت الحاجة إلى البناء
إذا عدنا إلى مراحل التأسيس، سنجد أن كثيراً من الدول احتاجت إلى أشخاص يملكون مهارات لم تكن متوافرة لديها بالقدر الكافي: بعضهم جاء في الاقتصاد، وبعضهم في الصناعة، وبعضهم في التعليم، وبعضهم في الطب والهندسة والإدارة.
وكانت الحاجة في تلك المرحلة واضحة: بناء الدولة.
لكن البناء لا يتوقف عند تشييد المباني والمؤسسات. فالدولة، في نهاية المطاف، تحتاج أن تنتقل من استقدام المعرفة إلى إنتاجها، ومن الاستعانة بالخبرة إلى تكوينها، ومن الاعتماد على الفرد إلى بناء المؤسسة.
وهذا التحول بالذات هو ما يجعل موضوع التجنيس أكثر تعقيداً اليوم.
فما كان مناسباً في مرحلة بناء البنية الأساسية قد لا يكون مناسباً نفسه في مرحلة بناء القدرة المعرفية.
ولهذا فالسؤال لا ينبغي أن يكون: هل نحتاج إلى التجنيس؟
بل ينبغي أن يكون أكثر دقة: ما الوظيفة الوطنية التي يمكن أن يؤديها التجنيس في دولة أصبحت بنيتها قوية، وتنوع اقتصادها، وتوسعت مؤسساتها، وصار التحدي الحقيقي هو الحفاظ على قدرتها على المنافسة وصناعة المستقبل؟
الدول لا تستخدم الجنسية للغرض نفسه
حين ننظر إلى التجارب الدولية، نجد أن الدول لم تتعامل مع الجنسية بطريقة واحدة، ولم تجعل لها وظيفة واحدة.
في الولايات المتحدة ظهرت تجربة ارتبط فيها التجنيس بحاجة محددة داخل المنظومة العسكرية، حيث أتاحت الدولة لفئات من الأجانب أصحاب مهارات رأت فيها أهمية خاصة، خصوصاً في بعض المجالات الطبية واللغوية، مساراً مرتبطاً بالخدمة العسكرية يفضي لاحقاً إلى التجنيس.
والمهم هنا ليس النموذج العسكري بذاته، بل الفكرة التي تكشفها التجربة: الدولة قد تربط التجنيس باحتياج تراه استراتيجياً في مرحلة معينة.
وفي فرنسا تظهر زاوية مختلفة، إذ يتيح القانون هناك، في حالات استثنائية، تقليص المدة المطلوبة للتجنس لمن يقدم أو يمكن أن يقدم بقدراته ومواهبه خدمات مهمة للدولة، وتشمل هذه الحالات مجالات علمية وثقافية واقتصادية ورياضية.
هنا لم يعد الاحتياج عسكرياً، بل أصبحت القيمة التي يقدمها الفرد نفسها هي محور النظر.
أما سنغافورة، فقد تعاملت مع الجنسية داخل معادلة أوسع تتصل بحجم السكان، والنمو الاقتصادي، والاندماج الاجتماعي، واستمرار المجتمع. فالجنسية هناك ليست نتيجة تلقائية للإقامة، بل قرار يخضع لمجموعة اعتبارات تنظر إلى الفرد وعلاقته بالمجتمع، وقيمته، وقدرته على الاستقرار والمساهمة فيه.
وهناك دول أخرى طورت مسارات مختلفة لاستقطاب أصحاب المواهب والخبرات، لكنها فصلت بين استقطاب الكفاءة ومنح الجنسية. وهذه التفرقة بالذات مهمة، لأنها تقول لنا إن الدولة تستطيع أن تحتاج إلى الإنسان دون أن تجعل الجنسية الأداة الأولى للاستفادة من خبرته.
ومن هنا تصبح المقارنة أكثر فائدة: بعض الدول استخدمت الجنسية لدعم حاجة دفاعية، وبعضها ربطها بالقيمة الاستثنائية، وبعضها وضعها داخل سياسة سكانية واجتماعية واقتصادية أشمل، وبعضها فضل استقطاب الكفاءة بإقامات طويلة ومسارات مهنية مستقرة دون أن يجعل التجنيس نتيجة تلقائية.
والمشترك بينها ليس شكل السياسة، بل أن الجنسية لم تكن منفصلة تماماً عن تصور الدولة لاحتياجاتها ومستقبلها.
وماذا عن الإمارات؟
في الإمارات تحديداً، مر الأمر بمراحل مختلفة.
ففي مرحلة بناء الدولة الحديثة، كانت الأولوية لإنشاء البنية الأساسية، وتوسيع التعليم، وبناء المؤسسات، وتنمية الاقتصاد، وتوفير الخبرات التي تحتاجها الدولة في مرحلة نمو متسارعة.
ثم تطورت المنظومة.
أصبحت الدولة أكثر قدرة على استقطاب الخبرات العالمية، وظهرت أدوات إقامة طويلة الأمد تمنح العلماء والأطباء والمستثمرين وأصحاب التخصصات والمواهب فرصاً أوسع للاستقرار والعمل والإنتاج.
ثم جاء الإطار القانوني الذي أتاح، في حالات محددة واستثنائية، ترشيح فئات من أصحاب القيمة العلمية والمهنية والثقافية والاستثمارية لاكتساب الجنسية، وفق شروط وضوابط محددة.
وهنا تكمن نقطة مهمة.
الإمارات لم تعد أمام سؤال: كيف نستقدم من يبني الدولة؟ فالدولة بنيت.
ولم تعد أمام سؤال: كيف نجد الخبرة؟ فالخبرات موجودة، والعالم كله أصبح مجالاً مفتوحاً للاستقطاب.
السؤال الذي يبرز اليوم أكثر تعقيداً هو: كيف ننتقل من استقطاب القيمة إلى توطين أثرها؟
وهذا ليس بالضرورة سؤالاً عن الجنسية وحدها، فقد تكون الإقامة الطويلة هي الأداة الأنسب في حالة، وقد يكون إنشاء مركز بحثي هو الأهم في حالة أخرى، وقد يكون الاستثمار أو نقل المعرفة أو تدريب المواطنين هو الأثر الحقيقي المطلوب.
وقد تكون الجنسية، في حالات استثنائية، إحدى الأدوات الممكنة عندما تجتمع قيمة نادرة مع حاجة وطنية واضحة، واندماج حقيقي، وقدرة على إنتاج أثر يتجاوز الفرد.
وهنا يصبح التجنيس جزءاً من منظومة، لا قراراً قائماً بذاته.
من الاحتفاظ بالإنسان إلى الاحتفاظ بالمعرفة
هذه هي النقطة التي تستحق مساحة أكبر في النقاش.
قد تستطيع الدولة أن تحتفظ بالخبير سنوات طويلة عبر الإقامة والعمل والعقود والمزايا المهنية. لكن ماذا يحدث حين يغادر؟
إذا خرج معه كل ما جاء به، فقد احتفظنا بالشخص ولم نحتفظ بالقيمة.
أما إذا ترك وراءه مركزاً، أو مدرسة علمية، أو جيلاً من المتخصصين، أو شركة وطنية، أو معرفة قابلة للتطوير، أو نظاماً يستمر بعده، فقد انتقلت الدولة من استضافة المهارة إلى توطين أثرها.
وهنا يمكن أن يصبح التجنيس، حين يطرح في حالات استثنائية، جزءاً من هذه المعادلة.
ليس لأنه مكافأة، وليس لأنه بديل عن بناء المواطن، وليس لأنه وسيلة لسد نقص وظيفي عابر، بل لأنه قد يكون، في بعض الحالات، وسيلة لتثبيت علاقة طويلة المدى مع قيمة ترى الدولة أن وجودها يخدم قدرتها المستقبلية، وهذا يغير السؤال كله.
ماذا نريد من التجنيس؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي تأخر طرحه.
في مرحلة البناء كان يمكن أن تكون الأولوية لمن يساعد على إنشاء الدولة. أما في مرحلة القوة، فقد تصبح الأولوية لمن يساعد على تطوير قدرتها.
وهنا تتغير معايير التفكير.
لا يكفي أن تكون المهارة نادرة؛ يجب أن نعرف لماذا هي نادرة، وما الحاجة إليها، وما الذي يمكن أن تضيفه، وهل يمكن بناء هذه المهارة محلياً، وهل يستطيع صاحبها نقلها إلى أبناء الدولة، وهل يمكن أن تتحول خبرته إلى مؤسسة، وهل يبقى أثره بعده.
فالعالم الذي يعمل وحده ليس كالعالم الذي يؤسس بيئة علمية، والطبيب المتميز ليس كمن يؤسس مدرسة طبية.
والمهندس الذي ينجز مشروعاً ليس كمن ينقل المعرفة التي تجعل الدولة قادرة على إنجاز مشاريعها القادمة.
والخبير التقني الذي يؤدي وظيفة محددة ليس كمن يساعد على إنشاء قدرة تقنية محلية.
من هنا يصبح معيار التفكير أوسع من قيمة الشخص؛ إنه قيمة الأثر.
التجنيس ليس بديلاً عن الوطنية
وهنا ينبغي أن تكون الصورة أكثر وضوحًا.
التجنيس لا يمكن أن يحل محل بناء المواطن، ولا أن يكون بديلاً عن التعليم، أو التدريب، أو إعداد الأجيال، أو الاستثمار في الإنسان الوطني.
فالدولة التي تحتاج إلى عالم نادر لا ينبغي أن تتوقف عن صناعة العلماء.
والدولة التي تحتاج إلى طبيب متخصص لا ينبغي أن تتوقف عن بناء منظومتها الطبية.
والدولة التي تستقطب خبيراً تقنياً لا ينبغي أن تتوقف عن إعداد أجيالها في التقنية.
بل ربما يكون الهدف الأعمق من استقطاب المهارة هو أن تصبح سبباً في تقليل الحاجة إلى استقدامها مستقبلاً.
وهنا يظهر معنى جديد للتوطين.
فالتوطين ليس فقط أن يحل المواطن محل المقيم في الوظيفة. التوطين الأعمق هو أن تنتقل المعرفة نفسها إلى داخل الدولة، وأن تصبح الدولة قادرة على إنتاجها وتطويرها وتصديرها.
وعندها لا يصبح السؤال: كم شخصاً جنسنا؟
بل يصبح السؤال عن مقدار القدرة التي أضيفت إلى الدولة، ومقدار المعرفة التي بقيت فيها، وعدد الأجيال التي استطاعت أن تتعلم منها.
الوطنية القادمة تحتاج عقلاً مختلفاً في النظر إلى القيمة
الدولة القوية لا تحتاج أن تنظر إلى كل إنسان باعتباره رقماً في سوق العمل.
هي تحتاج أن تعرف قيمة ما يحمله الإنسان من معرفة، وقيمة ما يمكن أن يبنيه، وقيمة ما يمكن أن يتركه.
ومن هنا يمكن أن يصبح التجنيس، في الحالات التي تختار الدولة بحثها، جزءاً من رؤية وطنية أكبر تتعامل مع الإنسان باعتباره شريكاً محتملاً في بناء قدرة، لا مجرد صاحب مهارة.
لكن هذه الرؤية لا تعني فتح الباب بلا حدود، كما لا تعني إغلاقه، بل تعني أن يكون القرار مرتبطاً بالغاية.
فإذا كانت الغاية بناء قدرة علمية، يجب أن يكون الأثر علمياً.
وإذا كانت الغاية بناء قطاع اقتصادي، يجب أن يكون الأثر اقتصادياً.
وإذا كانت الغاية تطوير منظومة تقنية، يجب أن يكون الأثر قابلاً للاستمرار والتوسع.
وإذا كانت الغاية دعم مجال ثقافي أو معرفي، فينبغي أن تتحول الموهبة الفردية إلى قيمة ثقافية تتجاوز صاحبها.
عندها يصبح التجنيس جزءاً من بناء القدرة، لا مجرد تثبيت للفرد.
السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا، نحن لا نحتاج إلى نتيجة مسبقة، ولا إلى موقف مؤيد أو معارض.
نحتاج أن نعرف كيف تريد الدولة أن يكون معنى الجنسية في المرحلة القادمة.
فالجنسية في مرحلة التأسيس قد تكون مرتبطة بمن ساهم في تثبيت أركان الدولة، أما في مرحلة النضج فقد يصبح من المشروع أن تفكر الدولة في قيمة مختلفة: من يستطيع أن يضيف إلى قدرتها ما يصعب تعويضه، وأن يحول مهارته إلى معرفة، ومعرفته إلى مؤسسة، ومؤسسته إلى قدرة تستمر بعده؟
وهنا لا تعود القضية قضية عدد، ولا قضية استثناء، ولا قضية مكافأة.
تصبح القضية مرتبطة بمفهوم أعمق: كيف تحافظ الدولة على قوتها عندما تتغير مصادر القوة نفسها؟
ففي زمن كانت فيه الثروة تقاس بالأرض والموارد، كان امتلاك المورد كافياً لبناء جانب كبير من القوة.
أما في زمن المعرفة، فامتلاك العقل وحده لا يكفي.
المطلوب أن تتحول المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى ذاكرة وطنية، والذاكرة إلى مستقبل.
ومن هذه الزاوية، يصبح التجنيس أحد الأسئلة التي تستحق أن تدرس بهدوء ضمن منظومة أكبر، لا بوصفه غاية، ولا بوصفه خطراً، ولا بوصفه مكافأة.
فالقضية في النهاية ليست كم شخصاً يدخل في دائرة الجنسية، بل أي قيمة نريد أن تدخل معها، وأي أثر نريد أن يبقى بعدها، وأي قدرة نريد أن نجدها في الدولة بعد أن يصبح صاحبها جزءاً من تاريخها.
وهنا بالضبط ينتقل النقاش من التجنيس بوصفه قراراً يخص فرداً، إلى التجنيس بوصفه سؤالاً عن علاقة الدولة بالمستقبل؛ عن الطريقة التي تختار بها ما يستحق أن يتحول من مهارة عابرة إلى معرفة مقيمة، ومن معرفة مقيمة إلى قدرة وطنية، ومن قدرة وطنية إلى جزء من القوة التي لا تعتمد على وجود شخص واحد، مهما بلغت قيمته.
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يفتح اليوم، لا بحثاً عن إجابة جاهزة، بل بحثاً عن تعريف أكثر نضجاً لما تعنيه الجنسية في دولة قوية، وما الذي ينبغي أن تضيفه إلى مستقبلها حين تمنحها في حالات استثنائية.