أصعب لحظات المرء ومن يحيطون به؛ تلك التي يُفارقهم فيها ويفارق معهم حياته، بغضّ النظر عن قصص توصيف معالم تلك اللحظات ودوافع تعابير وجه صاحبها، وما ترمز إليه، أو تَشي به، نحن لا نعتقد في معظمها صوابًا، إلّا تلك الحالة من الشعور التي تدفعه والمحيطين به إلى تغيير أداة الاتصال ببعضهم، والتي غيّرتها الدنيا حكمًا وفرضًا.
على أيّة حال؛ ترى نظريّتنا: عند ذهول صاحب الموقف أثناء معايشته آخر اللحظات في مرحلة وجوده "المعروف لدينا"، وعجزه عن إخبار أحدٍ *مهما كان عزيزًا* عمّا يراه أو يحسّه، بل وحتى عجزه عن التمتمة مع نفسه بما يحسّ، أنّه يُصاب بحالة من الشعور لم يعرفها من قبل، ليس فقط هذا؛ بل إنّه لم يعاين "جرعة" منها ولو بسيطة، بمعنى: أنّ نوع الشعور هذا، وصنفه؛ مولودُ اللحظة، لم يَخبَر صاحبه قبل ذلك شيئًا من إحساسه، ولا طيفه، ولا أصابَه علمٌ به.
حالة الذهول هذه؛ لم تنجبها حداثة الشعور ذاته، نظريّتنا تقول: إنّ حداثة الشعور هذه متولّدة من تجاهل الشخص ذاته، هذا التجاهل الذي أنجَب حصارًا؛ سيطَرَ في مجمله على كافّة تفاصيل حياة الشخص؛ حَبَسَهُ حصارهُ داخل الخوف من تجربة جديدة، بل قبل ذلك الخوف من التفكير بجدوى المألوف، ومحاكمة "الحالة الذهنيّة الحاكمة".
حالة الذهول هذه؛ تعني: أنّه تحقّق توًّا؛ أنّ كلّ ما كان يعتقد به كان خاطئًا *انتبهوا أنّ فكرة الخطأ لدينا تختلف عن تلك المعروفة تقليديًّا*، وأنّ كلّ حيَلِهِ؛ كانت في غير مكانها، وأنّ جميع احتياطاته كانت مادّةً هبّت بها الريح، وهي تستعرض مشوار حياتها في لحظة تساوي الحياة كاملة في قيمتها.
تساوي القيم هذا يشير من ناحية ما؛ إلى فكرتنا حول وحدة الزمن، التي يرى فيها الشخص في موقفه هذا *وغيره من مواقف حياته* مشهدًا واحدًا؛ تشكّله تفاصيل العمر كلّها؛ على أن لا يعني انكشاف الخطأ أو سوء التقدير صكًّا لصحّة ما سواها، مع التفريق بين هذه الحالة والحالة التي تعرض فيها ذات اللحظة للشخص ثواب صوابه وجزاء خطيئته، وهي تندمج في "مشهد حضور الزمن هذا".
في اتصال مباشر مع هذه الحالة، تبرزُ حالة الاتصال مع العالم بطريقة سماع أصوات ترتبط بالذكريات أو المواقف أو المبادئ... إلخ، وهي مشاهد العلاقة مع الدنيا وأهلها؛ التي تُظهرها حالة الذهول هذه في مشهد عرض السوابق، التي أدار وجهه عنها، حين عنّت له تعاليم الدنيا، لكنّه آثر غير ما أرادت. هذه الصورة تحتّم على المرء الاستجابة لكلّ مؤثرات الصورة العارضة في لحظة ما، سيّما بعد لحظات الحسم؛ هذا لا يعني التردّد عن المضيّ في أمر ما، لكنّه يعني: ضرورة "الالتفات والفحص" المستمرّين بمرافقة تنفيذ رأي ما، والتحسّب لعواقبه، بما يوفّر فرصة التوقّي لحادث ما.
مثل هذه: الأصوات، الحركات والسكنات؛ قد يأتي بها عصفور يقف تلك اللحظة *سواء لحظة الحضور أو لحظة القرار أو التراجع عنه*، كان قد أراهُ مصيرًا قبل ذلك، لكنّ الحاضرين لم ينتبهوا. هذه الصورة التواصليّة مع الأحداث؛ تربط الحاضرين والغائبين؛ المتّصلين بلحظة هذا الشخص؛ بذات الطريقة "الاستعراضيّة السريعة في المشهد؛ البطيئة في المراجعة".
في وجه آخر؛ سترى نتيجةً بلونٍ مغايرٍ؛ حين تعرف أنّ لحظة الفراق؛ قد لا تعني مجرّد ألم، بل هي تعني: أنّ ألمًا أشدّ تمّت إزاحته. حين تدفع ثمنًا مؤلمًا ترى في مقابله فرحةً عند الطرف المقابل؛ هذا ينطبق على صاحب اللحظة ومن حوله والأحياء عموماً.
في هذه الصورة ترى وجه الألم المقابل؛ يحمل معه فرحةً قد تشكّلها براءتك من إثم هذا الألم، الذي كان قدومه حاضرًا في ذهنك؛ حين قرّرت أمرًا ما؛ كان بدوره مؤلمًا، لكنّك تنازلت عن تحمّل الألم بألمٍ أكبرَ؛ حين رَضيتَ *بخلافِ ما تعتقد* إكرامًا لشخصٍ، أو هروبًا من أذى كان سيُثقِلُك أَلَمُه.