من داخل مكان إقامتها في دولة الإمارات الذي يعم بالسكينة والوقار ، تخرج كلماتها برضا وتسليم ‘‘إننا نتقوي بالله ونتعافي بالله ونطمئن بالله‘‘ ، تنهل من معين الرضا والقبول بأمر الله الذي حبا الله به والديها، لذا أصبح قلبها معلق دائما بالسماء ولم لا وهي من تجاوزت خطرا لم يستطع إخوانها الثلاث من قبلها تجاوزه.
فرغم سنوات عمرها القليلة التي لم تتجاوز الـ 23 عاما تتحدث الطالبة ندى محمد عن ما مرت به من تجارب وأحداث عظام أعطاها رسوخا وثباتا عظيمين لم يحظى بهما غيرها ممن بلغ من الكبر عتيا.
فقدت عمر ونورا وإيهاب الواحد تلو الآخر بنفس المرض العضال الذي لم يستطيعوا أمامه ثباتا، وبين الرهبة من المصير المحتوم الذي تنتظره بعد أن أصابها ما أصابهم والرغبة والأمنية في استثمار حياتها فيما هو نافع ، تأتيها سفينة النجاة محملة بالأمل لتشق بها الأمواج المتلاطمة من الآهات والأنات والآلام التي ضربت جسدها الصغير وجعلته طريح الفراش ، لتعود للحياة مجددا على يد شخص توفي لكنه وهب أعضائه لمن أمر الله أن يحيا بهم.
حاورتها أخبار سعادة لتتعرف على حياتها قبل إجراء العملية -التي تم فيها نقل عضوين لها وهما الرئة والكبد- وبعد العملية وعن ما مرت به من تجارب وعن هدفها في الحياة وعن النصائح التي ترغب في إعطائها لمن أصيبوا بمرضها وغيرهم.

فإلى نص الحوار:
هل لك أن تطلعينا على جزء من سيرتك الذاتية ؟
اسمي ندى محمد سعد أبلغ من العمر 23 عاما وأدرس في كلية التكنولوجيا الحيوية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا .
في البداية أنتي مصابة بمرض التليف الكيسي فما هو هذا المرض؟
التليف الكيسي هو مرض يؤثر في قدرة الرئة على إجراء عملية التنفس الطبيعية ، فضلا عن الأعراض الأخرى المرتبطة به مثل بطء النمو والتهابات الرئة وعدم وجود إنزيمات هاضمة فهو يؤثر على كل أجهزة الجسم.
وكيف عرفتي أنك مصابة بهذا المرض؟ ومتى كانت الأعراض الحقيقية؟
المرض كان معي منذ البداية، لكن بداية الأعراض الحقيقية كانت في سن 18 عاما تحديدا، نعم كان هناك أعراض سابقة في الصغر لم أكن أبالي بها ولم ترقى لدرجة الخطورة الكبيرة، إلى أن تكررت حالات الوفاة لدى إخوتي الثلاث أولهم عمر الذي توفي في سن عام قبل معرفة التشخيص، ثم جاء الدور على أختي نورا التي توفيت بعد أن مرضت وأدخلت للمستشفى وذلك في سن 17 عاما وكان وقتها لدي 9 سنوات ولم أكن أيضا مدركة للأمر تماما ، إلى أن توفي أخي إيهاب في سن 23 عاما بنفس الأعراض التي توفي بها أخواي السابقين عمر ونورا وقتها انتبهت أن هناك شيئا غريبا حصل وهو ما يحصل معي تماما وفهمت أن الموضوع أكبر مما كنت أتصور، لكن في سن الثامنة عشر بدأت صحتي تتدهور وبدأت أمر بما مروا به جميعا من قبلي، وأدخلت المستشفى ووجدت صعوبة في التنفس ما ترتب عليه إدخالي لقسم العناية المركزة وكانت هذه هي البداية.

متى شعرت أن المرض قاتل وأنك عرضة لمفارقة الحياة ؟
نظريا تخيلت ذلك من جراء الأحداث التي تحيط بي متمثلة في وفاة أخواني الثلاث وإصابتي بمرضهم وعدم القدرة على التنفس، لكن عندما أدخلت المستشفى سمعت ذلك بأذني فقد كانت مجمل كلمات الأطباء أن الحالة غاية في الصعوبة وأنه لا أمل في إنقاذها، لكن هذا الأمر مر بكرم من الله فيما يشبه المعجزة وخرجت من العناية المركزة، وهنا تعلمت الدرس الأول العملي في حياتي وهو أن القضاء والقدر بيد الله سبحانه، والأمر الآخر أنه يجب الانتباه لصحتي.
ذكرتي أن عمر مات بنفس المرض رغم عدم تشخيصه، فمتى تم تشخيص المرض ومن اكتشفه؟
بالفعل توفي أخي عمر ولم يمر على ولادته سوى عام تقريبا ولم يتم تشخيصه نظرا لندرة هذا المرض وعدم وجود الأجهزة والإمكانات التي تساعد على اكتشاف مثل هذه النوعية من الأمراض، وبعد تطور حالة أختي نورا وعرضها على إحدى الطبيبات جزمت بأن هذا المرض هو مرض التليف الكيسي، وكانت تعطيها العلاج بناء على ما قررته، وجاء تأكيد التشخيص في حالة أخي إيهاب بعد وجود التحاليل التي تم بها تأكيد وجود هذا المرض.
وما هو نوعية العلاج الذي يعطى لمريض التليف الكيسي سواء لأخوتك أو حتى الآخرين؟
لا يوجد علاج قاطع لهذا المرضى لكن ما يعطى للمريض من أدوية يشبه الصيانة، أي الإبقاء على أجهزة الجسم كالرئة والكبد والبنكرياس والجهاز الهضمي لأطول فترة ممكنة قبل الانهيار، سواء بنوعية الأكل أو المسكنات وتظبيط الإنزيمات الهاضمة وماشابه، لكن في النهاية هذا المرض هو مرض جيني يصيب الرئة ويسبب فشل التنفس وبالتالي الوفاة.

حدثينا عن موقف في مرحلة مرضك أحسستي فيها بمعية الله أو كما يقال معجزة نجوت بها؟
جمل من الأفكار وردت على خاطري في مرحلة المرض خاصة أن أخوتي ماتوا أمام عيني الواحد تلو الآخر فكنت أحدث نفسي عن أمنيات وأحلام أريد تحقيقها، وكنت أسال نفسي هل سأخرج من هذه الدنيا هكذا بلا فائدة وبلا أثر ؟ خاصة أن نظرات المقربين وكلمات الأطباء كانت توحي بالنهاية، لكن وسط هذا اليأس وعلى سرير العناية المركزة يأت الأمل فقد أكد لنا أحد الأطباء أن هناك نوعا من العلاج يمكن أن يساهم في التخفيف لكنه لا يوجد في مصر وهنا قرر أحد الأقارب أن يسافر إلى ألمانيا ليحضره في غضون يومين، لكن في مقياس المرض فاليومين بدون هذا العلاج كافيين لمفارقة الحياة، وهنا جاءت المعجزة التي لم نكن نتوقعها اتصل شخص على والدي يخبره بأنه يملك الدواء الذي أحتاجه.
وكيف ذلك وهو ليس من العائلة أو المعارف المقربين لكم؟
بالفعل لم يكن قريبا أو شخصا نعرفه، لكن صفحات التواصل الاجتماعي التي كنت مؤسسة لإحداها كانت تعمل مثل خلية النحل، وتم الحديث فيها عن كل شيء أمر به وما أحتاجه من علاج وما شابه، وكانت زوجة هذا الرجل تقيم في أمريكا مع ابنها المريض، وبقدر من الله تركت جزءا من العلاج الذي كان يأخذه في البيت قبل سفرها، لذا اتصلت بزوجها الذي تواصل مع والدي على الفور وأعطاه الدواء ولم يأخذ حتى ثمنه الذي يقارب العشرة آلاف جنيه وكانت معجزة لم نخطط لها لكنها إرادة الله.
من خلال تجربتك في مصر كيف ترين وضع مرض التليف الكيسي وما مدى انتشاره؟
مرض التليف الكيسي من الأمراض النادرة والغير معروفة وليس له علاج قاطع حتى الآن نظرا لندرته ولغلاء الأدوية التي تخفف من أعراضه وعدم تواجدها أصلا، ويمكن القول أن المصابين به ربما 500 شخص أقل أو أكثر قليلا وهؤلاء هم المعروفين بالمتابعة لكن لا نعلم مدى انتشار هذا المرض ونسبته بشكل دقيق.

في معرض حديثك ذكرت أنكي ترغبين أن يكون لك لمسة في هذه الحياة فما هو الشيء الذي تفخرين بعمله سواء قبل إجراء العملية أو بعدها؟
من أهم الأشياء التي قمت بعملها هي الجمعية الخيرية التي تهدف لمساعدة مرضى التليف الكيسي والتعريف بمدى المأساة التي يتعرضون لها ومحاولة التواصل مع جهات محلية ودولية لتوفير الدواء اللازم لهم فضلا عن الدعم النفسي الذي يقدمه الأعضاء لبعضهم البعض وهذا خفف كثيرا من معاناة الكثيرين خاصة أن حالات كثيرة منهم تعتزل الحياة وتستسلم لقدرها جراء ما يجدونه من ذوي النفوس المريضة الذي يتنمرون عليهم بسبب ضعف بنيتهم مقارنة بأقرانهم من نفس العمر ، وما أود قوله أن هذه الجمعية استفدت منها كثيرا فقد وجدت فيها نفسي معنويا وليس ماديا فلم استفد بعلبة دواء واحدة منها لنفسي.
عندما جاءت فكرة العملية الجراحية وزرع الرئة كيف وجدت رد الفعل من العائلة؟
بدا الموضوع كأننا في مائدة مستديرة أحاديث ومناقشات وصلاة استخارة ودعاء مكثنا شهرا على هذه الحال، تشاورت كثيرا مع والدي ووالدتي، فرغم ما أمر به من أزمات وتعب شديدين رأيت أن أي شيء سأفعله لن يكون أسوأ مما أنا فيه، أما والدي فكان يخشى من المصير وكان يرغب في بقائي أطول فترة ممكنة معه إلى أن يأتي أمر الله، وكانت أمي تقول إذا قدر لها الموت فلتمت وهي تتنفس بشكل طبيعي، وفي النهاية توصلنا إلى أننا لن نخسر شيئا إذا جربنا طريقة جديدة في العلاج وأن نأخذ بالأسباب لعل النجاة تكون فيها وقد كان.
مرحلة التدخل الجراحي كيف جاءت وكيف تواصلتي مع مستشفى كليفلاند الإمارات؟
عندما ساءت حالاتي بدأت القراءة حول موضوع زراعة الرئة وتواصلت مع بعض المستشفيات في أمريكا لبحث عملية زراعة الرئة لكن نصحني البعض بالتواصل مع كليفلاند الإمارات نظرا لما تحظى به من سمعة جيدة في هذه الجراحات فضلا عن قلة مدة زمن الانتظار ، ولما تواصلت مع الطبيب أكد لي أن هذا هو التوقيت المناسب لعمل العملية، لكن كانت المشكلة تكمن في تكاليف الجراحة التي بلغت 9 ملايين جنيه ويسر الله لي أن جمعت جزءا كبيرا من المال، لكن طلبت تأجيل العملية لأكمل تخرجي من الجامعة لكن الطبيب رفض بشدة هذا الطلب.
ولماذا الإصرار على إكمال الجامعة في هذا التوقيت؟
كانت السنة الأخيرة لي وكنت أريد إنهاء مشروع تخرجي، وهو مشروع متعلق بجانب كبير من مرضي لذا أحببت أن أنهيه وأقطع فيه الشوط الأخير لعله يفيدني في المستقبل فهو أحد الأمور التي أسعى لتحقيقها وأحد أهدافي لمساعدة غيري من المرضى.
ذكرتي أنك ذهبتي لزراعة الرئة لكن قرر الأطباء زراعة رئة وكبد فما السبب؟ وماذا كان رد الفعل؟
بالفعل بعد ذهابي للإمارات وإجراء كافة الفحوصات استعدادا لإجراء العملية تبين للأطباء أن زراعة الرئة بمفردها ستؤدي إلى فشل الكبد بعد فترة صغيرة نظرا لما مر به طوال هذه السنوات الطويلة من المرض، فكان الحل الأوحد هو زراعة العضوين ولم يكن هناك مفر من ذلك، كان إخبارنا بهذا الأمر صدمة لنا، وتداولت الموضوع مع أبي وامي كذلك وكان السؤال هل سنخضع لرأي الأطباء أم سنعود أدراجنا للبلد انتظارا للمصير؟ لكن بفضل الله تم الاستقرار على رأي الأطباء رغم قولهم أن العملية فيها مخاطرة كبيرة.

لو تحدثنا عن جزء ولو يسير من الأشياء التي رأيتيها في والديك من الرضا والقبول والتسليم؟
رغم ان شهادتي مجروحة فيهما لكن رأيت فيهما الدعم الكبير والرضا والتسليم بقضاء الله وقدره، رأيت ثباتا كبيرا وتقبلا لإرادة الله، ولما لا وقد فقدا 3 من الابناء الواحد تلو الآخر حتى انا أصبت بما اصيبوا به لكنهم لم يجزعا ولا يمتعضا لم أجد مرة من أحدهما اعتراضا أو تذمرا على حكمة الله بل دائما كانوا ينسبون ما يحدث لهما بأنه قضاء من الله وحكمة لا نعلمها ، وكان هذا الإيمان والصبر هو مصدر الثبات بالنسبة لي.
مرحلة الاستعداد للعملية حان أوانها .. ماذا تقولين في هذا الشأن؟
تم إجراء الفحوصات اللازمة لمدة أسبوعين وتم إخباري أنه سيتم وضع اسمي على لائحة الانتظار، حتى يتسنى استقبال متبرع بأعضائه ، وبالفعل لم يمر أسبوعان حتى بشرنا الأطباء بوجود متبرع وحانت لحظة الصفر التي أخبرنا بها 12 طبيبا متخصصين في التخدير والكبد والرئة وغيرهم، ومنذ هذه اللحظة تم إخبار والداي أنني تحت مسؤولية الطاقم الطبي والمستشفى كما تم إخبارنا عن توقيت العملية الذي سيستمر 14 ساعة كاملة.
هل التقيتم بأهل المتبرع كنوع من رد الجميل حتى ولو بالشكر؟
من القواعد الصارمة في المستشفى أن المريض لا يعلم من هو المتبرع سواء أكان رجلا أو أمراة صغيرا أو كبيرا ، كذلك أهل المتبرع لا يعلمون لمن تذهب هذه الأعضاء..سرية تامة ومطلقة وحاولنا مرارا وتكرارا أن نعرف ذلك من باب من لا يشكر الناس لا يشكر الله لكن لم نستطع.

في نبذة يسيرة حدثينا عما حدث بعد العملية وعن شعورك؟
من أكثر الأمور والآلام التي عانيتها في حياتي هي استفاقتي من التخدير ووشعوري بكم الآلام التي أصابت جسدي حتى أنني لم أكن أنام إلا بالمسكنات القوية فقد قطعت سكين الجراج أكثر من جزء في منطقة البطن والصدر وتم تثبيت ذلك بما يسمى الدبابيس دون خياطة للجرح وهذه آلية متبعة لدى الجراحين لكنها طريقة مرهقة جدا للمريض، لكنها مرت بسلام رغم أنني تمنيت أن لم أجري هذه العملية بسبب المعاناة التي شعرت بها، وبعد ان نزعت كافة الأجهزة من جسدي واستقرت حالتي حمدت الله كثيرا لأنه بعد 23 عاما من التعب وعدم القدرة على التنفس ها أنا أعود إلى الحياة مجددا اتنفس هوائها واستمتع بمتعها كما لو لم أكن مريضة.
تجارب عديدة ومحطات هامة مررت بها في حياتك إذا كانت هناك نصيحة تودين ختام هذا الحوار بها فماذا تقولين ؟
نصيحتي للجميع أن اليوم الذي تحيا فيها بصحة هي نعمة من عند الله يجب استثمارها فيما هو نافع لك وللناس، أفول تذكروا أنكم في معافاة من الله كونك سليما وغير مريض وتذكر أن هناك من لا يقدر على التنفس ومنهم من لا يقدر على تكاليف العلاج، وانت معاف من كل ذلك فهذه منة من اله عليك تحتاج منك الشكر ولحمد مرارا وتكرارا، وأقول لمن أصابه ما أصابني لا تيأسوا من رحمة الله وأنا خير مثال أمامكم كان الجميع يستعد لتوديعي لكني عدت بحمد لله للحياة بمعجزة.