لم تبدأ حكاية الراية مع نشوء الدول الحديثة، ولا مع ظهور الحدود السياسية التي نعرفها اليوم، فمنذ أن تشكّلت الجماعات وتنافست على الأرض والموارد والسلطة، احتاج الإنسان إلى علامة تميّز جماعته، وتجمع أفرادها، وتدلّهم على قيادتهم في أوقات الخطر، ومع تطور الحضارات، تحولت تلك العلامات إلى رموز تحمل معاني الانتماء والسلطة والهوية، وصولاً إلى العلم الوطني الذي أصبح عنواناً للدولة وذاكرتها أمام العالم.
في الحضارات القديمة، حملت الجيوش المصرية والآشورية رموزاً وشارات تدل على الجماعات والسلطات التي تمثلها، وعند الإغريق، ارتبطت العلامات العسكرية بهوية المدينة والجيش، بينما اكتسبت الراية في روما مكانة تتجاوز وظيفتها التنظيمية؛ فقد مثّل النسر الروماني شرف الفيالق ووحدتها، وكان فقدانه خسارة معنوية تمس مكانة الوحدة العسكرية التي تحمله. وهكذا ارتبط الرمز منذ وقت مبكر بوجود الجماعة ومكانتها، لا بمادته وحدها.
وفي التاريخ العربي والإسلامي، ارتبطت الرايات بالقيادة وتنظيم الجيوش، ثم تنوعت أشكالها ودلالاتها مع تعاقب الدول. وفي الدولة العثمانية، أصبحت الراية إحدى علامات السلطة السياسية والعسكرية والحضور البحري. ومع اتساع الدول وتغير حدودها، ظلت الراية وسيلة للتعريف بالقيادة والجماعة، وإن لم تكن وحدها دليلاً على ملكية الأرض أو السيادة القانونية عليها.
الراية في الحربين العالميتين: حين صار رفعها حدثاً يصنع الذاكرة
خلال الحرب العالمية الأولى، بين عامي 1914 و1918، حضرت الرايات العسكرية والوطنية في مشاهد التعبئة والقتال. ومع تفكك إمبراطوريات وظهور دول جديدة، ازدادت أهمية الرموز التي تعلن هوية الكيانات السياسية. لم يكن رفع العلم كافياً لإنشاء دولة أو تثبيت حدودها، لكنه أصبح علامة مرئية على التحولات التي شهدها العالم.
وفي الحرب العالمية الثانية، ظهرت قوة الصورة المرتبطة بالراية بوضوح. ففي 23 فبراير 1945، التُقطت صورة رفع العلم الأمريكي فوق جبل سوريباتشي في جزيرة إيو جيما، لتتحول إلى إحدى أشهر صور الحرب ورمزاً حاضراً في الذاكرة الأمريكية. وفي برلين، ارتبط رفع العلم السوفيتي فوق مبنى الرايخستاغ في نهاية المعركة بسقوط النظام النازي والانتصار السوفيتي. لم تعد الراية في هذه المشاهد علامة ميدانية فحسب؛ فقد أصبحت الصورة نفسها جزءاً من رواية الشعوب لتاريخها، تحفظ لحظة الانتصار وتستدعيها الأجيال بعد انتهاء المعارك.
وتكشف هذه النماذج أن رفع الراية قد يعلن السيطرة على موقع، أو يرمز إلى استعادة الأرض، أو يوثق نهاية مرحلة وبداية أخرى. لكن دلالتها لا تنفصل عن سياق الحدث؛ فالرمز يعبّر عن واقعة تاريخية، فيما تبقى مسائل السيادة والحدود خاضعة للأدلة والاتفاقيات والقواعد القانونية ذات الصلة.
من الميدان إلى الحدود والمؤسسات والمنازل
مع تطور الدولة الحديثة، تجاوز العلم وظيفته العسكرية. فأصبح رفعه على المؤسسات الحكومية تعبيراً عن هوية الدولة وحضورها الرسمي، وعلى السفارات علامة على البعثات التي تمثلها، وفي المنظمات الدولية رمزاً للجهة التي تتحدث باسمها. أما عند الحدود، فيحضر ضمن مشهد أوسع من الإدارة والاختصاص والسيادة، من دون أن يكون وحده منشئاً للحقوق القانونية.
وعندما ينتقل العلم إلى واجهة المنزل، تتخذ دلالته بُعداً اجتماعياً وأسرياً. فالأسرة التي ترفع علم وطنها تعبّر عن انتمائها واعتزازها بتاريخها، وتمنح أبناءها فرصة لرؤية الرمز الوطني في حياتهم اليومية. هنا تصبح الراية جزءاً من الذاكرة التي تتشكل داخل المنزل، كما هي جزء من الذاكرة العامة في المؤسسات والميادين.
وهذا الانتقال من الميدان إلى المنزل يطرح معنى يستحق التأمل: هل تظل الراية رمزاً وطنياً حياً إذا اقتصر حضورها على المراسم الرسمية، أم يزداد معناها رسوخاً حين تصبح جزءاً من وعي الأسرة والأجيال؟ إن استمرارية الرمز لا تتحقق بمجرد رفعه، بل بما يحمله الناس من معرفة بتاريخهم، وفهمهم لمعانيه، وارتباطهم بالوطن الذي يمثله.
العلم الإماراتي: من إعلان الاتحاد إلى استمرارية الدولة
في الثاني من ديسمبر عام 1971، رفع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان علم دولة الإمارات العربية المتحدة في دار الاتحاد بدبي، مع إعلان قيام الدولة الاتحادية. لم يكن المشهد مجرد انتقال إلى راية جديدة، بل إعلاناً عن قيام كيان يجمع الإمارات في دولة واحدة، بقيادة ومؤسسات وهوية وطنية مشتركة.
وجاء تصميم العلم بألوانه الأربعة مستلهماً بيتاً شعرياً لصفي الدين الحلي، جمع فيه بياض الصنائع، وخضرة المرابع، وسواد الوقائع، وحمرة السيوف. وتُفسَّر ألوان العلم الإماراتي عادةً في ضوء هذه الدلالات؛ فالأبيض يرتبط بالعطاء، والأخضر بالنماء، والأسود بالقوة والمنعة، والأحمر بالتضحية. وقد اجتمعت هذه الألوان في راية واحدة، كما اجتمعت الإمارات في اتحاد واحد، لتصبح علامة على تأسيس الدولة واستمرارها.
وفي الثالث من نوفمبر من كل عام، تحتفل الإمارات بيوم العلم، وهي مناسبة أُعلنت في 11 ديسمبر 2012، وأُقيمت للمرة الأولى عام 2013، واختير تاريخها ليوافق ذكرى تولّي المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئاسة الدولة عام 2004.
وهنا تتسع دلالة المناسبة لتتجاوز مراسم رفع العلم في المؤسسات الرسمية. فمن الممكن تعزيز المشاركة المجتمعية عبر توحيد لحظة رفعه في المنازل والمدارس والجهات الحكومية، بالتزامن مع تقديم معرفة موجزة بتاريخ الاتحاد، ودلالات الألوان، ومراحل بناء الدولة في عهد الشيخ زايد، ومسيرة استمرارية الاتحاد في عهد الشيخ خليفة.
فحين يرفع الأب العلم أمام أبنائه، وتشارك الأسرة في اللحظة نفسها التي تشارك فيها المدرسة والمؤسسة، تتوحد صورة الرمز في الحياة العامة والخاصة. ويصبح الثالث من نوفمبر موعداً تستحضر فيه الأجيال الشيخ خليفة وإسهامه في مسيرة الدولة، وتتجدد فيه معرفة المجتمع بتاريخ الاتحاد ومسؤوليته عن مستقبله. وبهذا يتحول رفع العلم من مشهد احتفالي متكرر إلى ممارسة وطنية تجمع الذاكرة بالوعي والانتماء.
حين تغيب الراية عن الأرض: هل يغيب الحق معها؟
إذا كان العلم يعبّر عن السيادة والحضور، فهل يعني غيابه عن أرضٍ ما اختفاء الحق فيها أو انتهاء المطالبة بها؟
تضعنا جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى أمام هذا السؤال. فمنذ عام 1971، تتمسك دولة الإمارات بمطالبتها بالسيادة على الجزر الثلاث.
إن غياب العلم الإماراتي عن الجزر لا يكفي، في ذاته، لإثبات سقوط الحق أو زوال المطالبة بالسيادة. فالراية علامة على الحضور، لكنها ليست وحدها منشأ الحق القانوني، كما أن غيابها لا يشكّل حكماً نهائياً على مسألة السيادة. وتُبحث هذه المسألة في ضوء الوقائع التاريخية والوثائق والاتفاقيات والمواقف القانونية للأطراف، وفق القواعد ذات الصلة.
وتدعو الإمارات إلى تسوية النزاع بالوسائل السلمية، بما يشمل المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. ويبقى الاحتكام إلى المحكمة مشروطاً باختصاصها وموافقة الأطراف، فلا تُحال القضية إليها من طرف واحد دون أساس للاختصاص.
وقد أكدت الإمارات استمرار مطالبتها بالجزر، كما عبّرت دول مجلس التعاون الخليجي في بياناتها الرسمية عن دعمها للموقف الإماراتي والدعوة إلى حل النزاع بالوسائل السلمية. وتؤكد هذه المسارات أن القضية لا تختزل في مكان رفع العلم أو غيابه، بل تتصل بملف تاريخي وقانوني ودبلوماسي مستمر..
وهنا تلتقي دلالة الراية في الحروب العالمية مع دلالتها في التاريخ الإماراتي : فقد يرتبط رفعها بحدث ميداني، لكن الذاكرة والحقوق لا تُقاسان بوجودها المادي وحده. فالراية التي ارتفعت إعلاناً عن قيام الاتحاد لا تفقد معناها لأن قضية وطنية ما زالت تنتظر تسويتها؛ بل تظل تذكيراً بأن بناء الدولة لا ينفصل عن معرفة تاريخها، وصون وحدتها، ومتابعة قضاياها بالوسائل القانونية والدبلوماسية.
الراية: ما يتوارثه الوطن؟
من علامات الجماعات القديمة إلى رايات الجيوش في الحربين العالميتين..، ومن أعلام الدول على الحدود والسفارات إلى الأعلام التي ترفرف فوق المنازل، تتغير أشكال الراية وتبقى حاجة الإنسان إلى رمز يجمعه ويعرّف بهويته.
وفي التجربة الإماراتية، يحمل العلم معنى تأسيس الاتحاد، ويمنح يوم العلم فرصة لاستحضار الشيخ خليفة بن زايد ومسيرة الدولة، كما تفتح قضية الجزر الثلاث باباً لفهم الفرق بين الرمز المرفوع والحقوق التي تستند إلى التاريخ والقانون.
وإذا كانت الدول قد اختارت أياماً ترفع فيها أعلامها لتجديد الانتماء، فإن القيمة الأعمق لهذه المناسبات تكمن في أن يعرف كل جيل لماذا رُفعت الراية أول مرة،.. وما الذي جمع الناس تحتها، وما المسؤولية التي تترتب على استمرارها. عندها يصبح رفع العلم فعلاً يتجاوز المراسم إلى الوعي، وتغدو الراية ذاكرة وطنية حيّة تربط التأسيس بالحاضر، والانتماء بالمسؤولية، والتاريخ بالمستقبل.