13 يونيو 2026
عبير الهاجري تكتب: نهج الاتحاد.. الإرث الذي علم الخليج كيف يكون أمة

في عام 1971 حين وضع زايد بن سلطان آل نهيان توقيعه على وثيقة الاتحاد، لم يكن يوحد سبع إمارات متجاورة فحسب، بل كان يكتب منهجًا جديدًا لم تعرفه المنطقة من قبل، منهجًا يقول إن القوة الحقيقية لا تقاس بما تملكه وحدك، بل بما تبنيه مع غيرك.

كان زايد يؤمن أن الأقوى والأغنى هو من يفرض إدارة حكام لفكرة وطنية شاملة وهنا هي الإمارات، كان بإمكانه أن يجعل الاتحاد دولة فقط لكنه اختار غير ذلك، قدم استحقاقات للإمارات لأنه أدرك أن الاتحاد الحقيقي لا يقوم إلا حين يثق الشعب بأن القوة مسؤولية.. هذا الدرس لم يكن نظرية، كان فعلاً يوميًا عاشه زايد وجسده أمام الجميع.. غرس بذرة الاتحاد ليثمر خليج حر.

حين تأسس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، لم يكن اختراعًا من فراغ، كان امتدادًا طبيعيًا لما أثبته زايد على أرض الإمارات، أثبت للمنطقة كلها أن دول مختلفة الطباع والظروف والمصالح تستطيع أن تجلس تحت سقف واحد وتبني نهضتها وكل هذا التنوع لم يكن نقطة التقاء بل كان سر لحقيقة المنطقة الخليجية.. نفس الروح انتقلت للمجلس، فكل دولة خليجية بقيت بشخصيتها وميزتها، والكل يستند على كيانها، والكل حين تضيق التحديات لتكون تحت حماية المصير الواحد.

ما ورثه زايد للمجلس لم يكن وثائق ومؤسسات فقط، بل كان طريقة تفكير، علم أن الخلافات تحل بالحوار ومحركاته وأن الانفتاح على العالم لا يعني التبعية الكاملة.. حين فتح الإمارات للاستثمار العالمي وبنى علاقات مع الشرق والغرب في آن واحد، كان يرسم خريطة ذكية يقول فيها إن الدولة الصغيرة مساحة تستطيع أن تكون عملاقة إذا عرفت كيف تستثمر موقعها وعلاقاتها. 

أيها المواطن الخليجي البحرين فتحت قطاعها المالي، وقطر راهنت على الطاقة والدبلوماسية، والكويت بنى صندوقه السيادي ليحمي أجيالا قادمة، وعمان عهد سياسي ولوجستي يبرز الخليج وموقعه، والسعودية رؤية نهضوية نحو البنية التحتية وموقعها الاستثماري القادم.. وكلهم في جوهرهم كانوا يسيرون على درب زايد دون أن يسموه باسمه.. وذلك ليس بناء لضريح بل للامتنان السرمدي للعقيدة الوطنية.

والجزر الإماراتية كانت دائما حاضرة في ذهن زايد، لكنه لم يختر صخب المواجهة، بنى بدلا من ذلك شرعية دولية صلبة، ونسج علاقات مع كل عواصم القرار في العالم، لأنه يعلم أن استعادة الحق تحتاج إلى رصيد دبلوماسي لا يبنى في يوم، هذا النهج هو ما تسير عليه الإمارات اليوم، الشرعية والقانون والحضور الدولي، لا الكلمات الطنانة التي تسمع ولا ترى، وتحديات تذوب لا حكمة منها. 

الإمارات هي من تقرر كيف ومتى تسترد جزءًا من نبضها لن تنتظر إعلامًا مضللاً أو صوتًا مبحوحًا يحاول أن يسترد سهمه في الحديث عما ينبغي أن تفعله الإمارات تجاه جسدها الوطني.

البيت الإبراهيمي حين قام في أبوظبي لم يكن مفاجأة لمن يفهم زايد، رجل آمن بأن العزة لا تعني العزلة، وأن الحضور بين الأمم يتطلب شجاعة الحوار لا الخوف منه، في زمن كانت فيه كثير من دول المنطقة تبني جدرانًا، كان زايد يبني جسورًا، لأنه يعلم أن الانتصار الحقيقي في هذا القرن ليس انتصار الجيوش بل انتصار المنجزات والحضارة والإنسان الكريم، وهذا أيضًا قرار كان عربيًا لمواقف تاريخية خريطتها سياسية كاملة لا علاقة بتاريخ الإمارات بل بأدوات الذكاء الإنساني في مفرق الطرق والتميز به.

وهذا بالضبط ما جعل الإماراتي اليوم يدخل أي عاصمة في العالم ورأسه مرفوع، ليس لأن بلده كبير المساحة، أو غنية الصناديق الاستثمارية أو رسالتها المستدامة، بل لأن رجلاً واحدًا قرر ذات يوم أن يبني دولة تستحق الاحترام، ومكن نهجه مساراتها الناجحة، فبناها حجرًا حجرًا، واتفاقية اتفاقية، وثقة ثقة، حتى أصبح اسمه واسم بلده شيئًا واحدًا لا ينفصلان.

زايد لم يرحل.. بل هو سياق متكامل لحماية الخليج، زايد عبقرية كلما تحدث عنها.. سقيت عروق الازدهار الخليجي ورفعت حماية العرب بحكمته.. نحن يا سادة لا نستفز عندما يذكر زايد مهما كانت أهداف السهام، بل نحن نفيق أمام أننا يجب أن نصوغ نصوص الثقافات بأعظم ثقافة وطنية وهو زايد بن سلطان آل نهيان.. طيب الله ثراه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE