15 سبتمبر 2026
من العطاء إلى الأثر المستدام.. كيف تحولت الإمارات إلى نموذج عالمي للعمل الخيري؟

تحتفي الإمارات باليوم الدولي للعمل الخيري، الذي يصادف 5 سبتمبر من كل عام، في وقت تواصل فيه ترسيخ نموذج مؤسسي متكامل للعمل الإنساني، يقوم على تحويل العطاء من مبادرات منفردة إلى منظومة مستدامة تمتد آثارها إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً في مختلف مناطق العالم. وتستند هذه المنظومة إلى مؤسسات وجهات متخصصة تعمل وفق أطر واضحة، بما يعزز حضور الإمارات مركزاً عالمياً للعمل الإنساني ويكرس نهج «دار زايد» في مد يد العون وصناعة الأمل.

ويكتسب الاحتفاء بهذه المناسبة هذا العام أهمية خاصة في ظل تنامي الدور الإماراتي في مجالات الإغاثة والتنمية وتمكين المجتمعات، إذ لم يعد العمل الخيري مقتصراً على الاستجابة الطارئة للأزمات، وإنما أصبح جزءاً من رؤية تنموية طويلة المدى تستهدف معالجة جذور التحديات وتحقيق أثر مستدام يعود بالنفع على الأفراد والمجتمعات.

وتقوم التجربة الإماراتية في هذا المجال على منظومة مؤسسية أسهمت في تنظيم العمل الخيري والإنساني وتوسيع نطاقه، عبر مؤسسات وهيئات وجمعيات تتولى تنفيذ البرامج والمبادرات وفق آليات تضمن استمراريتها وكفاءة وصولها إلى المستفيدين.

وعلى مدى السنوات الماضية، عملت الدولة على تطوير أطر تشريعية وتنفيذية لتنظيم العمل الإنساني والخيري، بما يتيح سرعة الاستجابة للمتغيرات والأزمات، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام مختلف شرائح المجتمع للمشاركة في العطاء من خلال التطوع والتبرع وأداء الزكاة وغيرها من صور المساهمة المجتمعية.

وتتوزع جهود العمل الخيري الإماراتي بين مؤسسات مانحة وهيئات إنسانية وجمعيات خيرية، تركز برامجها على قطاعات ذات أولوية تشمل الصحة والتعليم والغذاء والمياه والتنمية والتمكين الاقتصادي والإغاثة، بدعم وتوجيه من قيادة دولة الإمارات.

وتترجم هذه المنظومة رسالتها الإنسانية من خلال مبادرات تستهدف تحسين حياة الملايين حول العالم، وتخفيف معاناة المتضررين من الأزمات والكوارث، إلى جانب دعم التنمية المستدامة وتعزيز قدرة المجتمعات على بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

ويتميز النموذج الإماراتي كذلك بتعدد الجهات العاملة في المجال الخيري والإنساني، وتكامل أدوارها ضمن خطط وآليات تستهدف تعظيم الأثر واستدامته، بما يعزز مكانة العمل الإنساني كجزء أصيل من النهج الإماراتي.

وفي مناسبة اليوم الدولي للعمل الخيري 2026، تستعرض «العين الإخبارية» أبرز المؤسسات والجهات الإماراتية التي تضطلع بأدوار محورية في العمل الخيري والإنساني محلياً ودولياً.

إرث زايد الإنساني
يتزامن اليوم الدولي للعمل الخيري هذا العام مع استمرار تنفيذ مبادرة إنسانية واسعة النطاق أطلقتها دولة الإمارات تحت مظلة «إرث زايد الإنساني»، التي تمثل أحد أبرز المشاريع الهادفة إلى توسيع نطاق العطاء الإماراتي عالمياً.

ففي 29 مارس 2024، وجّه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، بإطلاق مبادرة «إرث زايد الإنساني» بقيمة 20 مليار درهم، تخصص لدعم الأعمال الإنسانية في المجتمعات الأكثر احتياجاً حول العالم، وذلك بالتزامن مع «يوم زايد للعمل الإنساني» والذكرى العشرين لرحيل مؤسس دولة الإمارات، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

وتعكس المبادرة رؤية إنسانية تقوم على ربط المساعدات بالتنمية، من خلال دعم المجتمعات الأكثر احتياجاً وتعزيز فرصها في تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتنمية المستدامة.

وفي 27 أكتوبر من العام ذاته، صدر مرسوم اتحادي بإنشاء «مؤسسة إرث زايد الإنساني»، لتتولى رعاية وتنفيذ مجموعة من المبادرات والبرامج الإنسانية والتنموية على المستويين المحلي والدولي.

ومنذ تأسيسها، ركزت المؤسسة على توجيه الجهود نحو القضايا ذات الأولوية والأكثر تأثيراً في حياة المجتمعات، مع تنفيذ برامج في مجالات الصحة والتعليم والبيئة والعمل الإنساني والتنمية، بما وسّع نطاق الاستفادة من المبادرة إلى مناطق مختلفة حول العالم.

وفي 27 أغسطس الماضي، وبحضور الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون التنموية وأسر الشهداء، رئيس مجلس أمناء مؤسسة إرث زايد الإنساني، أطلقت المؤسسة هويتها المؤسسية الرسمية، المستلهمة من نهج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في العطاء والإنسانية والتنمية.

وأكد الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان أن الهوية الجديدة تمثل محطة استراتيجية في مسيرة المؤسسة، وتسهم في توحيد هويتها المؤسسية وتكامل أدوار الجهات التابعة لها وتنسيق جهودها، بما يعزز قدرتها على توسيع أثرها الإنساني والتنموي على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وتضم مؤسسة إرث زايد الإنساني 14 جهة تعمل في أكثر من 100 دولة، ضمن مجالات تشمل الرعاية الصحية والتعليم والثقافة والمشاركة المجتمعية والزراعة والأمن الغذائي والتمكين الاقتصادي والإدارة البيئية والمياه، بما يعكس تنوع نطاق العمل واتساع مجالات التأثير.

وتشمل الجهات التابعة للمؤسسة كلاً من مؤسسة زايد بن سلطان للأعمال الخيرية والإنسانية، ومؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية، ومؤسسة محمد بن زايد للأثر الإنساني، ومؤسسة الإمارات، وصندوق محمد بن زايد الدولي لحماية الأنواع وإثراء الطبيعة، وشركة صندوق الوطن القابضة، ومؤسسة الأنهار النظيفة المحدودة، والمعهد العالمي لمكافحة الأمراض المعدية، وجائزة زايد للاستدامة، وجائزة الشيخ خليفة التربوية، وجائزة الشيخ خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، وجائزة محمد بن زايد لأفضل معلم، وشركة إكثار لتنمية الحياة الفطرية المحدودة.

وضمن أحدث مساهماتها، قدمت المؤسسة 100 مليون درهم لحملة «وقف أم الإمارات للأيتام»، التي أطلقتها هيئة الأوقاف وإدارة أموال القُصّر «أوقاف أبوظبي» في فبراير الماضي.

مؤسسة محمد بن زايد للأثر الإنساني
وفي إطار توسع منظومة العمل الإنساني الإماراتي، برزت «مؤسسة محمد بن زايد للأثر الإنساني» باعتبارها أحدث المؤسسات الإنسانية والخيرية التي انضمت إلى مظلة «مؤسسة إرث زايد الإنساني».

وجاء إنشاء المؤسسة بقرار أصدره الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، في مارس 2025، بهدف دعم الجهود الرامية إلى تمكين الإنسان وتعزيز التنمية الصحية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الأكثر احتياجاً.

وتستند رؤية المؤسسة إلى تعزيز القدرات البشرية، ودعم أولويات الصحة العالمية، وتوسيع نطاق الفرص أمام المجتمعات المحتاجة، إلى جانب الاستثمار في الحلول المستدامة التي تسهم في تمكين الأفراد والمجتمعات وتحقيق ازدهارها.

وخلال السنوات الخمس المقبلة، تستهدف المؤسسة الوصول ببرامجها إلى أكثر من 500 مليون شخص في أكثر من 50 دولة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، في إطار جهود تركز على الصحة والتمكين والتنمية والنمو الاقتصادي والاستقرار.

وفي ديسمبر الماضي، قدمت المؤسسة 140 مليون دولار لدعم الجهود العالمية الرامية إلى مكافحة شلل الأطفال، في خطوة تعكس التزامها بدعم القضاء على الأمراض التي يمكن الوقاية منها وتعزيز الأنظمة الصحية حول العالم.

كما تعهدت في سبتمبر من العام نفسه بتقديم 11 مليون دولار لدعم الأولمبياد الخاص الدولي وتوسيع نطاق التعليم الشامل على المستوى العالمي.

مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية
وعلى صعيد آخر، تشكل «مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية» مظلة واسعة لعدد كبير من المبادرات والمؤسسات التي رعاها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، على مدى أكثر من عقدين.

ومنذ إطلاقها في عام 2015، أصبحت المؤسسة إطاراً جامعاً لأكثر من 30 مبادرة ومؤسسة تنشط في مجالات إنسانية ومجتمعية وتنموية متعددة، مع تركيز خاص على الدول الأقل حظاً والفئات الأكثر احتياجاً والمجتمعات الهشة.

وبالتوازي مع برامج الإغاثة والمساعدات، تتجه جهود المؤسسة إلى معالجة مجموعة واسعة من التحديات الثقافية والمعرفية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية والإنسانية، عبر مبادرات تسعى إلى تقديم حلول عملية ومستدامة تعزز جودة حياة المجتمعات المستفيدة.

وتتمحور أعمال المؤسسات والمبادرات التابعة لها حول خمسة مجالات رئيسية، هي المساعدات الإنسانية والإغاثية، والرعاية الصحية ومكافحة المرض، ونشر التعليم والمعرفة، وابتكار المستقبل والريادة، وتمكين المجتمعات.

وفي 25 أبريل الماضي، أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم النتائج السنوية لأعمال المؤسسة لعام 2025، والتي أظهرت تجاوز إجمالي الإنفاق 2.3 مليار درهم، مع إحداث أثر إيجابي في حياة نحو 165 مليون مستفيد في 122 دولة حول العالم.

مجلس الشؤون الإنسانية الدولية
وفي سياق تعزيز الحضور المؤسسي للدبلوماسية الإنسانية الإماراتية، يواصل «مجلس الشؤون الإنسانية الدولية» أداء مهامه الرامية إلى تطوير منظومة العمل الإنساني الدولي وترسيخ حضور الإمارات كإحدى الدول الفاعلة عالمياً في هذا المجال.

وتأسس المجلس بمرسوم اتحادي أصدره الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 4 يناير 2024، برئاسة الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، على أن يتبع رئيس ديوان الرئاسة، ويتولى الإشراف على مختلف القضايا والمسائل المرتبطة بالشؤون الإنسانية الدولية.

وتشمل اختصاصات المجلس إعداد ومراجعة السياسة العامة للشؤون الإنسانية الدولية، والإشراف على منظومتها، ومتابعة تنفيذ الخطط والمبادرات والمشروعات ذات الصلة، إلى جانب وضع التصورات المستقبلية وتحديد الأطر العامة لتنفيذها، وإعداد الموازنة متوسطة الأجل ومراجعة أولويات التعاون التنموي بصورة دورية.

ومن بين المبادرات التي أطلقها المجلس منذ تأسيسه «برنامج مستشفيات الإمارات العالمية»، الذي يستهدف دعم وتطوير خدمات الرعاية الصحية في عدد من دول العالم.

ويأتي البرنامج ضمن مبادرة «إرث زايد الإنساني»، التي تستهدف خلال العقد المقبل بناء 10 مستشفيات لتلبية الاحتياجات الصحية المتخصصة للمجتمعات المستفيدة، بتمويل يقدر بنحو 550 مليون درهم.

وكالة الإمارات للمساعدات الدولية
وفي نوفمبر 2024، أنشأ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بموجب مرسوم اتحادي، «وكالة الإمارات للمساعدات الدولية»، التي تتبع مجلس الشؤون الإنسانية الدولية وتتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة والأهلية القانونية الكاملة.

وتتولى الوكالة، بموجب المرسوم الاتحادي رقم 27 لسنة 2024، تنفيذ برامج المساعدات الخارجية وفق السياسة العامة للشؤون الإنسانية الدولية، إلى جانب التخطيط والإشراف والتنفيذ والمتابعة للمساعدات الحكومية الرسمية والمشروعات والمبادرات التنموية وبرامج التعافي المبكر وإعادة الاستقرار والاستجابة الإنسانية والإغاثية.

وفي أحدث تحركاتها الإنسانية، تواصل الوكالة إرسال المساعدات إلى نيبال تنفيذاً لتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لتقديم الدعم العاجل للمتضررين من الفيضانات والانهيارات الأرضية التي خلفت ضحايا ومفقودين وأضراراً واسعة.

وخصصت دولة الإمارات 10 ملايين دولار لإغاثة المتضررين، كما أرسلت طائرتين محملتين بالمساعدات، حملت الأولى 83 طناً من المواد الغذائية ومستلزمات الإيواء، فيما نقلت الثانية 45 طناً من المواد الإغاثية، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية والمستلزمات والمولدات الكهربائية.

وبالتعاون مع سفارة دولة الإمارات في كاتماندو، تنسق وكالة الإمارات للمساعدات الدولية جهودها مع السلطات المحلية والمنظمات الدولية المعنية، لضمان وصول المساعدات إلى مختلف الفئات المتضررة، بما في ذلك الرجال والنساء والأطفال، وتعزيز فاعلية الاستجابة الإنسانية في المناطق المنكوبة.

وتندرج نيبال ضمن سلسلة من جهود الدعم الإنساني الإماراتي المتواصلة خلال عام 2026، والتي شملت 16 دولة موزعة على أربع قارات، في امتداد لنهج الدولة في مساندة الشعوب المتضررة من الأزمات والكوارث.

وتعكس هذه التحركات نهجاً إماراتياً يقوم على سرعة الاستجابة وتنسيق الجهود وتوجيه الموارد إلى المناطق الأكثر احتياجاً، بما يعزز حضور الدولة في منظومة العمل الإنساني الدولي ويدعم قيم التضامن والتعاون بين الشعوب.

الهلال الأحمر الإماراتي
ومن أبرز المؤسسات التي تتصدر المشهد الإنساني الإماراتي هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، التي تمثل أحد أهم أذرع الدولة في تنفيذ برامج المساعدات والإغاثة داخل الإمارات وخارجها.

ومنذ تأسيسها عام 1983، اضطلعت الهيئة بدور واسع في مجالات العمل الإنساني، مستندة إلى مبدأ مساعدة المحتاجين والمتضررين دون تمييز على أساس العرق أو الثقافة أو الجغرافيا أو الدين، بما يعكس جوهر الرسالة الإنسانية للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.

ومع بداية سبتمبر الجاري، أطلقت الهيئة استراتيجيتها الجديدة للأعوام 2026-2029، في إطار خطة تستهدف تطوير العمل المؤسسي ومواكبة التحولات المتسارعة والتحديات المتزايدة في المجال الإنساني، مع التركيز على رفع الجاهزية وتعزيز الاستباقية وتسريع الاستجابة.

وترتكز الاستراتيجية الجديدة على رفع كفاءة الأداء وتوسيع نطاق الأثر الإنساني والمجتمعي وتعزيز استدامة البرامج والمبادرات، فيما تقوم على أربع قيم رئيسية هي الإنسانية والاستدامة والابتكار والشفافية، بما يدعم توجه الهيئة نحو ترسيخ نموذج مؤسسي متطور للعمل الإنساني والمجتمعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE