تتجه أنظار دوائر السياسة والاقتصاد والاستراتيجيات إلى أبوظبي اليوم الإثنين، مع انطلاق أعمال النسخة الثالثة من «منتدى هيلي 2026»، الذي يجمع نخبة من المسؤولين وصنّاع القرار والخبراء والأكاديميين من دول عدة، لمناقشة التحولات المتسارعة التي تعيد رسم المشهدين الإقليمي والدولي، وبحث سبل الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مسارات أكثر استقراراً ومرونة. ويأتي انعقاد المنتدى تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار»، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية، وتتسع تداعياتها على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق العالمية.
ويستقطب الحدث مجموعة واسعة من كبار المسؤولين الحكوميين وقادة الفكر والأكاديميين والخبراء الدوليين، بهدف بلورة مقاربات عملية للتعامل مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، إلى جانب بحث سبل تعزيز أمن الطاقة، وحماية سلاسل التوريد، ودعم استقرار حركة التجارة الدولية.
وعلى مدار يومين، يحتضن منتجع سانت ريجيس السعديات جلسات تناقش ملفات الاستقرار الإقليمي والأمن الاقتصادي، إلى جانب القضايا التي تشغل صناع القرار حول العالم، في ظل بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تتزامن فيها الصراعات العسكرية مع ضغوط اقتصادية ومالية ولوجستية تمتد آثارها إلى مناطق وجبهات متعددة.
ويُنظم المنتدى كل من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، في إطار جهودهما لتعزيز الحوار حول القضايا الاستراتيجية والتحولات المؤثرة في المنطقة والعالم.
محاور أمنية واقتصادية لحماية التجارة وحرية الملاحة
وتضم أجندة المنتدى أكثر من 20 جلسة حوارية وتفاعلية، بمشاركة 55 متحدثاً وأكثر من 1000 مشارك يمثلون ما يزيد على 35 دولة، حيث تتناول النقاشات مجموعة من الملفات المرتبطة بالمخاطر الاقتصادية، والتوترات الجيوسياسية، ومستقبل التجارة الدولية عبر الممرات المائية الحيوية.
وفي صدارة القضايا المطروحة يأتي الأمن البحري ومستقبل الممرات الاستراتيجية، مع تركيز خاص على أطر حماية المياه والممرات الدولية، وضمان حرية الملاحة والتجارة عبر مضيق هرمز، إلى جانب بحث الاختلالات التي تواجه سلاسل الإمداد ومسارات التجارة العالمية في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
ومن المنتظر أن تتطرق المناقشات إلى استراتيجيات جديدة لتعزيز مرونة قطاع الطاقة وشبكات الشحن، والحفاظ على استقرار أسواق السلع والأسواق المالية، بما يسهم في الحد من مخاطر الانكماش الاقتصادي، ودعم النمو، واحتواء الضغوط التضخمية الناجمة عن الصدمات الخارجية.
ولا تقتصر أجندة المنتدى على الملفات الأمنية والاقتصادية التقليدية، إذ تمتد إلى بحث الدور المتنامي للتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الأسواق، وتغيير مفاهيم التنافسية الاقتصادية في المنطقة. كما تتناول الجلسات سبل بناء استراتيجيات طويلة الأمد لتوسيع الشراكات الاستثمارية والتنموية، وتأسيس تحالفات مستدامة تدعم تدفق الاستثمارات وتعزز قدرة الاقتصادات الخليجية والإقليمية على مواجهة المتغيرات العالمية.
منصة استراتيجية لرسم مسارات الاستقرار
ويطمح «منتدى هيلي 2026» إلى ترسيخ منصة رفيعة المستوى للحوار الاستراتيجي، تتجاوز مرحلة رصد الأزمات وإدارتها نحو البحث عن حلول عملية تتيح «تصحيح المسار»، والتعامل مع التحديات العابرة للحدود، واستشراف اتجاهات جديدة لإعادة ضبط ملامح النظام العالمي.
وتحظى مخرجات المنتدى من توصيات ورؤى استشرافية بأهمية خاصة، لما يمكن أن تؤديه في دعم مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي والتوازن الاقتصادي، وتعزيز قدرة دول المنطقة على ترسيخ موقع الخليج كمركز رئيس للتجارة والاستثمار الدوليين، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
أبرز المتحدثين
ويشارك في المنتدى عدد من أبرز الشخصيات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، من بينهم الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، والدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، والدكتور سلطان محمد النعيمي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ونيكولاي ملادينوف، مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، والشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، مستشار ملك البحرين للشؤون الدبلوماسية.
كما تضم قائمة المشاركين الدكتور سمير ساران، رئيس مؤسسة أوبزيرفر للأبحاث في جمهورية الهند، والمهندس أحمد محمد الرميثي، وكيل دائرة الطاقة – أبوظبي، والفريق ستيفانو مانينو، رئيس المركز الإيطالي للدراسات الدفاعية العليا، وجان-إيف لو غال، الرئيس السابق للاتحاد الدولي للملاحة الفضائية، ويو جيه سونج، السفير السابق لجمهورية كوريا لدى دولة الإمارات، وفوك يريميتش، وزير الخارجية الصربي الأسبق، وكارل بِلدت، رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق في مملكة السويد.
ويشارك أيضاً كل من الدكتورة دانيا ظافر، المدير التنفيذي لمنتدى الخليج الدولي في الولايات المتحدة، والدكتور ماجد الأنصاري، مستشار رئيس مجلس الوزراء والمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية في قطر، والدكتور باسم قمر، المدير التنفيذي للسياسات الاقتصادية في صندوق النقد العربي بالإمارات.
رؤية تتجاوز إدارة الأزمات
ويعكس شعار المنتدى الحاجة المتزايدة إلى إعادة النظر في المقاربات التقليدية للأمن الإقليمي والتعاون الدولي وأطر الحوكمة العالمية، من خلال تبني رؤى أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع عالم تتغير فيه موازين القوى بوتيرة متسارعة.
وتبرز أهمية هذا التوجه في التركيز على استشراف المستقبل، وتطوير حلول مبتكرة ومسارات عملية يمكن أن تسهم في إعادة توجيه مسار الأحداث، وتحويل التحديات والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة إلى فرص جديدة للنمو والاستثمار والتنمية.
استشراف المستقبل وتحويل الأزمات إلى فرص
وتكتسب النسخة الثالثة من «منتدى هيلي» أهمية خاصة، في ظل مرحلة تشهد إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية لمنطقة الخليج، التي لم تعد تقتصر أهميتها على كونها مركزاً للتنافس الدولي ومصدراً رئيساً للطاقة، بل باتت تمثل مركز ثقل استراتيجياً تتقاطع فيه اعتبارات الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والملاحة البحرية.
وفي خضم هذه التحولات، تعزز دول الخليج حضورها في صياغة التوازنات الدولية، بعدما انتقلت تدريجياً من موقع التأثر المباشر بالأزمات العالمية إلى لعب دور أكثر فاعلية في تحديد اتجاهاتها. وأصبحت التحولات الاقتصادية والسياسية في المنطقة ذات تأثير مباشر في استقرار أسواق الطاقة، ومرونة سلاسل الإمداد، ومعادلات الأمن القومي على المستوى العالمي.
من 2024 إلى 2026.. مسيرة المنتدى
ويستند «منتدى هيلي 2026» إلى ما حققته النسختان السابقتان في عامي 2024 و2025، ضمن مسار تطورت خلاله أجندة المنتدى بالتوازي مع التحولات المتسارعة في النظام الدولي.
وحملت النسخة الأولى، التي عقدت عام 2024، عنوان «نظام عالمي مضطرب: قراءة في المفاهيم، والتشكيل، وإعادة البناء»، وركزت على تحليل الأبعاد الثلاثة الحاكمة للمشهد الدولي، والمتمثلة في الجيوسياسة والجيواقتصاد والجيوتكنولوجيا. كما بحثت تحولات قطاع الطاقة، وانعكاسات الانقسامات على اقتصاد العولمة، ومستقبل الحوكمة والتوازنات الدولية، إلى جانب تنامي دور القوى الوسطى في تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
أما النسخة الثانية، التي انعقدت عام 2025 تحت شعار «إعادة ضبط النظام العالمي: التجارة والتكنولوجيا والحوكمة»، فقد وسعت نطاق النقاش ليشمل التحولات الأكثر تأثيراً في الاقتصاد والسياسة الدوليين، من تصاعد الصراعات وتغير موازين القوى، إلى اتساع الفجوة الرقمية وحروب الرسوم الجمركية، وصولاً إلى التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة وتداعيات تغير المناخ.
ومن خلال هذا التدرج، يواصل «منتدى هيلي» تطوير أجندته بما يتلاءم مع طبيعة المتغيرات الدولية، منتقلاً من تشخيص اضطرابات النظام العالمي إلى استشراف مسارات إعادة تشكيله، ومن رصد التحولات إلى البحث في الأدوات والسياسات القادرة على التعامل معها بكفاءة أكبر.
«هيلي».. رمزية الامتداد والحوار
وتستمد تسمية المنتدى دلالتها من منطقة «هيلي» التاريخية في مدينة العين، التي شكلت عبر العصرين البرونزي والحديدي ملتقى للحضارات وطرق التجارة والتبادل الثقافي، في صورة تعكس تاريخ المنطقة باعتبارها جسراً للتواصل بين الشعوب والثقافات.
وفي امتداد لهذا الإرث، تكرس دولة الإمارات موقعها الجغرافي والاستراتيجي كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وتوفر منصة دولية للحوار تلتقي فيها الرؤى والخبرات من مختلف أنحاء العالم، بهدف تطوير استراتيجيات لا تكتفي بقراءة الحاضر، وإنما تستشرف مستقبل المنطقة والنظام الدولي، وتبحث عن مسارات أكثر استقراراً وتعاوناً وقدرة على مواجهة التحولات المقبلة.