15 أغسطس 2026
شيرين فريد تكتب: حامد البوسطة.. من إرث الرواد إلى فضاء التجريب

حين نقرأ تجربة الفنان البحريني حامد البوسطة، يصعب أن نفصلها عن تاريخ الحركة التشكيلية في البحرين، ليس فقط لأنه ينتمي إلى عائلة ارتبط اسمها مبكرًا بالفن، وإنما لأن تجربته نفسها تبدو وكأنها تعيد تمثيل جزء من التحولات التي عاشها الفن البحريني: من مراقبة البيئة واستلهام المكان، إلى التجريد، ثم التجريب في الخامة، وصولًا إلى العمل التركيبي والوسائط الجديدة.

ولد حامد البوسطة داخل بيت كان الفن جزءًا من تفاصيله اليومية. فوالده الفنان عبدالكريم البوسطة أحد الأسماء المبكرة والمؤثرة في الحركة التشكيلية البحرينية، وكان رسامًا ونحاتًا وخزافًا، كما ارتبط بالتعليم الفني وتكوين أجيال من الفنانين. وتشير سيرة حامد إلى أن غرفة المعيشة في منزل الأسرة كانت تؤدي أيضًا وظيفة مرسم والده ومكتبته؛ أي أن الابن لم يتعرف إلى الفن من خلال قاعة عرض أو درس أكاديمي فقط، وإنما عاشه منذ البداية كجزء من المكان والحياة اليومية.

وهذه النشأة ليست تفصيلًا عابرًا عند محاولة فهم فلسفته. فالجيل الأول من الفنانين البحرينيين كان شديد الارتباط بالبيئة المحيطة: الجدران القديمة، والقرية، والبحر، والعمارة الشعبية، والإنسان، وتحولات المكان. وكان عبدالكريم البوسطة نفسه يستلهم أشكال الجدران القديمة وملامسها، وكأن المادة الموجودة في البيئة تنتقل من الواقع إلى سطح العمل الفني. لكن حامد لم يكتف بتكرار هذه العلاقة، بل ورث السؤال ثم غيّر طريقة الإجابة عنه.

من هنا تبدأ خصوصية تجربته ؛ فالمدينة ،وخصوصًا المنامة، حضرت في أعماله بوصفها ذاكرة أكثر من كونها مشهدًا يراد نقله حرفيًا. قد يبدو العمل تجريديًا للوهلة الأولى، لكن وراء التجريد تجربة مكانية محسوسة، وذكريات وعلاقات لونية وبصرية تشكلت عبر الاحتكاك بالمدينة. وبذلك لا يرسم البوسطة المكان كما تراه العين، بل كما يستقر في الذاكرة.

وهذا الفارق جوهري؛ لأن الفنان ينتقل من "تصوير المكان" إلى "استحضار أثر المكان" ، إنه لا يحتاج إلى رسم شارع كامل أو منزل أو نافذة حتى يقول إن هذا العمل ينتمي إلى المنامة. قد يكفيه لون أو ملمس أو خط أو كتلة أو علاقة بين سطحين لاستدعاء إحساس بالمدينة. وهنا يتحول المكان من موضوع خارجي إلى مادة داخلية، ومن جغرافيا إلى ذاكرة.

ومن خلال هذا التحول يمكن ربط البوسطة بتاريخ الحركة التشكيلية البحرينية. فقد ارتبطت مراحل مبكرة منها بتوثيق البيئة المحلية ومفرداتها البصرية، ثم أخذت أجيال لاحقة تعيد تفكيك تلك البيئة وتحويلها إلى علامات وتجريدات ومفاهيم. ولم تعد الهوية تعني بالضرورة رسم البحر أو البيت أو الإنسان البحريني بصورة مباشرة؛ بل أصبحت تكمن أحيانًا في طريقة التفكير في المكان وفي المادة وفي الذاكرة.

ويبدو حامد البوسطة ابنًا لهذا التحول بامتياز فقد بدأت تجربته من مساحات قريبة من الانطباعية، قبل أن تتطور نحو ما يوصف بالانطباعية التجريدية، لكنه لم يحصر نفسه داخل تعريف أسلوبي ثابت. انتقل بين الطباعة والوسائط المختلفة والأعمال الرقمية، وخاض تجارب في التركيبات والفيديو، وهو ما يكشف أن المسألة الأساسية لديه لم تكن البحث عن "شكل" يمكن التعرف إليه بوصفه توقيعًا دائمًا، وإنما البحث عن إمكانية جديدة للعمل الفني.

ولذلك ربما تكون كلمة "التجريب" أحد أهم مفاتيح فلسفته ؛فهو يتعامل مع المادة بوصفها طرفًا في إنتاج الفكرة، وليس مجرد أداة لتنفيذ صورة مقررة سلفًا. الورق يمكن أن يتمزق، واللون يمكن أن يرش، والخامة قد تتجاوز حدود السطح، واللوحة نفسها يمكن أن تقترب من المجسم، وقد يغادر العمل الجدار تمامًا ليدخل فضاء التركيب والفيديو.

وقد عبّر البوسطة في إحدى تجاربه بوضوح عن رفضه للقوالب والأسس الأكاديمية الجامدة، وعن اهتمامه بتجريب الخامات والمزاوجة بينها. والأهم أنه فرّق ضمنيًا بين إنتاج "لوحة" وبين بناء "مشروع تشكيلي". وهذه الفكرة تحديدًا مهمة عند قراءة موقعه داخل الحركة الفنية البحرينية.

فالفنان التقليدي قد يبدأ من سؤال: ماذا سأرسم؟ أما الفنان الذي يفكر في المشروع فيبدأ من سؤال مختلف: ما القضية التي أريد اختبارها؟ وما الوسيط الأكثر قدرة على حملها؟ وهنا لا تصبح اللوحة غاية في ذاتها، وإنما احتمالًا من احتمالات التعبير.

وتظهر هذه الفلسفة في الأعمال التي تتعامل مع الخامة بعنف محسوب أحيانًا؛ تمزيق، وتراكب، ورش، ومزج بين مواد مختلفة، وكأن سطح العمل لم يعد مساحة هادئة لاستقبال الصورة، بل أصبح ميدانًا لحدوثها. المادة عنده تحمل أثر الفعل، وبالتالي تحمل شيئًا من الزمن والانفعال الذي رافق إنتاجها.

إنه لا يخفي عملية التكوين دائمًا، بل يسمح لنا بأن نشعر بها ، وهذا يفسر جانبًا من الطاقة الموجودة في أعماله. فالخط ليس مجرد حد يفصل بين شكلين، واللون ليس مجرد مساحة جمالية، والملمس ليس زينة سطحية؛ العناصر كلها تدخل في حالة شد وجذب، وكأن اللوحة تحتفظ بالطاقة التي نشأت أثناء بنائها.

ويحتل اللون موقعًا أساسيًا في هذا العالم. فالبوسطة شديد الاهتمام بالعلاقات اللونية، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها تنسيقًا جماليًا مريحًا للعين فقط. اللون قادر عنده على خلق التوتر والصدام كما يستطيع خلق الانسجام. وقد ظهرت في مراحل من تجربته علاقات واضحة بين الأسود والأبيض ودرجاتهما مع حضور البرتقالي، لتنشأ مواجهة لونية تجعل اللون عنصرًا في بناء الحالة، لا غطاءً لها.

وهذا يقود إلى عنصر آخر متكرر في تجربته: الطائر فالطائر في الفن ليس رمزًا بريئًا أو محايدًا؛ إنه من أكثر الرموز البصرية قابلية للتأويل. يستطيع أن يعني الحرية، والرحيل، والبحث، والخوف، والتحليق، والانفلات من الحدود. وعندما يظهر داخل تجربة تقوم أساسًا على رفض القوالب، يصبح من الممكن قراءته باعتباره امتدادًا بصريًا لفلسفة الفنان نفسها.

فالطائر لا يعترف بالحدود المرسومة على الأرض، كما أن الفنان المجرب لا يريد أن يعترف بالحدود الصلبة بين الرسم والطباعة والمجسم والفيديو.

لكن حامد البوسطة لا يقدم الرمز باعتباره إجابة جاهزة. فهو يترك للعناصر مساحة من الغموض، وبالتالي يصبح المشاهد مشاركًا في إنتاج المعنى. قد يرى المتلقي طائرًا، بينما تكون القيمة الحقيقية للعمل في العلاقة بين هذا الطائر والفراغ الذي يحيط به، أو بين حركته والكتلة المقابلة له، أو بين حضوره المادي وما يستدعيه من فكرة الحرية.

وفي أعمال أخرى ينتقل الفنان إلى أسئلة أكثر تجريدًا تتعلق بالوجود والاتزان والمصير. ويظهر ذلك بوضوح في عمله "الثبات/السقوط/الهاوية"، القائم على مكعبات خشبية مغلفة بالقماش. هنا نغادر اللوحة بمعناها التقليدي إلى التفكير في الكتلة والفراغ والتوازن. العنوان نفسه يفتح بابًا فلسفيًا واسعًا: الثبات حالة، والسقوط حركة، والهاوية مصير محتمل. ويصبح السؤال: متى تتحول حالة الاستقرار إلى سقوط؟

إنها علاقة يمكن قراءتها بصريًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل بعدًا إنسانيًا. فالإنسان يعيش دائمًا فوق مساحات متفاوتة من الاستقرار والهشاشة؛ قد يبدو ثابتًا بينما يكون قريبًا من السقوط، وقد تتحول خطوة صغيرة أو اختلال محدود إلى انتقال كامل من حالة إلى أخرى.

وهنا يصبح المكعب، وهو أكثر الأشكال الهندسية إيحاءً بالثبات والاستقرار، أداة للحديث عن احتمال فقدان هذا الاستقرار. وهذه المفارقة بين الشكل وما يحدث له تمنح العمل قوته الفكرية.

وفي عمل أحدث بعنوان "واجهة"، عاد البوسطة إلى العلاقة بين الخط والشكل، مقدمًا محاولة لإعادة تكوين الخط داخل بناء بصري يحمل شحنة من الأفكار والمشاعر. وهنا نرى استمرار السؤال نفسه رغم اختلاف المظهر: كيف يمكن إعادة بناء العنصر البصري بحيث لا يبقى مجرد خط أو شكل، بل يتحول إلى حامل للطاقة والحالة؟

وهذه الاستمرارية أكثر أهمية من التشابه الشكلي بين الأعمال. فالمشروع الفني الحقيقي لا يشترط أن يرسم الفنان اللوحة نفسها طوال حياته حتى نعرفه. الأهم أن يبقى هناك سؤال داخلي يتحرك من تجربة إلى أخرى، حتى عندما تتغير المادة والتقنية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم موقع حامد البوسطة في الحركة التشكيلية البحرينية. فهو يحمل إرث جيل الرواد دون أن يحوله إلى عبء، ويحتفظ بذاكرة المكان دون أن يقع في أسر الصورة التراثية المباشرة، ويستفيد من اللوحة دون أن يعتبر إطارها نهاية الفن.

إنه يمثل حلقة بين مرحلتين: مرحلة تأسيسية كان الفنان البحريني خلالها مشغولًا بتكوين لغة بصرية محلية وإثبات حضور الفن في المجتمع، ومرحلة معاصرة أصبح فيها الفنان أكثر حرية في مساءلة الوسيط نفسه، وفي الانتقال بين الرسم والطباعة والتصوير والرقمي والتركيب والفيديو.

وتزداد هذه الصلة وضوحًا إذا تذكرنا أن البوسطة لم يكتف بالممارسة الفردية، بل انخرط في النشاط الثقافي وتنظيم المعارض، وأسهم في تأسيس مهرجان "القافلة" الثقافي الذي جمع الفن والموسيقى والمسرح والسينما والشعر. وهذا الجانب يكشف تصورًا للفن يتجاوز حدود اللوحة إلى مفهوم الثقافة بوصفها فضاءً تتجاور داخله أشكال التعبير المختلفة.

إن فلسفة حامد البوسطة تقوم، في جوهرها، على عدم الاطمئنان إلى الشكل النهائي. كل خامة يمكن اختبارها، وكل تقنية يمكن إعادة التفكير فيها، وكل سطح يمكن أن يفقد وظيفته التقليدية ليكتسب وظيفة جديدة. ولذلك فإن التمرد في تجربته لا ينبغي فهمه بوصفه رفضًا للأكاديمية من أجل الرفض، وإنما بوصفه بحثًا عن المساحة التي تبدأ بعد انتهاء القاعدة.

والمفارقة الجميلة أن هذا التمرد خرج من بيت أحد الرواد. فعبد الكريم البوسطة رحمه الله أسهم مع جيله في بناء جزء من القاعدة التي قامت عليها الحركة التشكيلية البحرينية، بينما جاء حامد ليختبر الحدود التي وصلت إليها تلك القاعدة. وهكذا لا يصبح اختلاف الابن عن الأب قطيعة، بل تطورًا طبيعيًا في تاريخ الفن؛ جيل يؤسس، ثم يأتي جيل آخر ليسأل عما يمكن فعله بعد التأسيس.

لهذا لا يمكن اختزال تجربة حامد البوسطة في التجريد أو اللون أو الطائر أو الخامة، لأن أهم ما فيها ربما يكون "الحركة" بين هذه العناصر جميعًا. إنه فنان لا يبدو مهتمًا بالوصول إلى محطة نهائية بقدر اهتمامه باستمرار الرحلة.

ومن ذاكرة بيت كان مرسم الأب جزءًا من غرفة معيشته، إلى المنامة التي تحولت في أعماله من مدينة إلى إحساس، ومن الورق الممزق إلى الوسائط المختلطة، ومن اللوحة إلى التركيب والفيديو، تتشكل تجربة تقول شيئًا مهمًا عن تاريخ الفن البحريني نفسه: إن الوفاء للذاكرة لا يعني تكرارها.

وحين ننظر إلى حامد البوسطة من داخل هذا السياق، فإننا لا نقرأ تجربة فنان منفرد فقط، بل نقرأ جزءًا من انتقال الحركة التشكيلية البحرينية من جيل بنى العلاقة مع المكان، إلى جيل أعاد تفكيك هذه العلاقة وطرح أسئلة جديدة حول المادة والوسيط والمفهوم.

وهنا تكمن فلسفته: أن الفن لا يعيش داخل القالب الذي وصل إليه، بل في قدرته الدائمة على مغادرته.

نبذة عن الكاتبة
شيرين فريد، كاتبة وصحفية بحرينية متخصصة في الشأن الفني، تقدم تغطيات وتقارير وحوارات تواكب أبرز المستجدات في عالم الفن والثقافة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE