8 نوفمبر 2026
عبير الهاجري تكتب: أبوظبي.. حين تستضيف العواصم الحوار

ليست مكانة العواصم بما تضمه من مبانٍ ومؤسسات فحسب، بل بما تبنيه من علاقات، وما تتيحه من فرص للتفاهم، وما تتركه من أثر في مسارات الأحداث. ومن هذا المنظور، تبدو تجربة أبوظبي في استضافة الحوارات والوساطات امتداداً لمسار بدأ مع قيام دولة الإمارات، وتطوّر مع اتساع علاقاتها ومسؤولياتها الإقليمية والدولية.

في الثاني من ديسمبر 1971، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على رؤية آمنت بأن جمع الإمارات وتوحيد الرؤى والإمكانات يصنع مستقبلاً أقوى. ولم يكن الاتحاد مجرد اتفاق على قيام دولة، بل تأسيساً لمنهج يقوم على التعاون والتفاهم. فقد أدرك الشيخ زايد أن الحوار والتفاهم يفتحان أبواباً قد تعجز عنها المواجهة، وأن بناء العلاقات يبدأ بالبحث عن المشترك، لا بتوسيع الخلاف.

وفي الخامس والعشرين من مايو 1981، شهدت أبوظبي توقيع ميثاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإعلان قيام المجلس. وكانت تلك محطة مهمة في تاريخ العمل الخليجي المشترك؛ إذ جمعت دول المنطقة في إطار مؤسسي للتنسيق والتعاون، انطلاقاً من المصالح والروابط التي تتجاوز حدود الجغرافيا.

وامتد منهج الشيخ زايد إلى التعامل مع الأزمات الإقليمية. ففي سنوات الحرب العراقية الإيرانية، ارتبط اسمه بمساعٍ لاحتواء التصعيد وتقريب المواقف، كما دعا عام 1986 الأطراف اليمنية المتنازعة إلى المصالحة، وأبدى استعداد الإمارات للمساعدة في إنهاء الخلاف. لم تكن تلك المحاولات منفصلة عن رؤية المؤسس؛ فاستقرار الجوار جزء من استقرار المنطقة، والحوار يظل طريقاً يستحق أن يُفتح حتى في أشد مراحل الخلاف.

وفي عام 2018، استضافت أبوظبي لقاء جمع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في سياق التقارب بين إثيوبيا وإريتريا. ثم وُقّع اتفاق السلام بين البلدين في جدة في سبتمبر من العام نفسه، برعاية المملكة العربية السعودية وبمشاركة إماراتية داعمة. وقد عكست تلك المرحلة أهمية تكامل الجهود العربية والإقليمية في تهيئة فرص المصالحة.

وفي عام 2021، برزت تقارير دولية عن دور اتصالات إماراتية في تهيئة الأجواء للتفاهم بين الهند وباكستان، وصولاً إلى إعلان وقف إطلاق النار بين البلدين. وهي محطة تذكّر بأن العمل الدبلوماسي لا يبدأ دائماً من طاولة معلنة؛ فقد تسبقه اتصالات هادئة تسعى إلى خفض التوتر وفتح نافذة للحوار.

ومنذ عام 2024، تواصلت الوساطات الإماراتية في ملف تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا. وفي 23 أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية نجاح عملية تبادل شملت 540 أسيراً، بواقع 270 من كل جانب، ليرتفع إجمالي من شملتهم عمليات التبادل التي تيسّرت بوساطة الدولة إلى 8,537 شخصاً عبر 27 عملية. وهذه ليست أرقاماً مجردة؛ فكل عملية تعني عودة أشخاص إلى أسرهم، وتخفيفاً لبعض الآثار الإنسانية لحرب ممتدة.

ولعلنا نتساءل: لو لم تتوافر هذه الوساطة، فكم من عمليات التبادل كان يمكن أن تتأخر؟ وكم من الأسر كان سيطول انتظارها؟ لا يمكن الجزم بما كان سيحدث، ولا القول إن الوساطة وحدها قادرة على إنهاء حرب بهذا التعقيد، لكن الأرقام المعلنة تشير إلى مساحة إنسانية نجحت الدبلوماسية الإماراتية في فتحها وسط استمرار المواجهات.

وفي الثالث من نوفمبر 2026، أعلن الكرملين أن أبوظبي ستستضيف يومي العاشر والحادي عشر من نوفمبر محادثات ثلاثية تجمع روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. وتبقى هذه محطة مرتقبة لا يجوز استباق نتائجها، لكنها تضع أبوظبي أمام مسؤولية استضافة حوار يتصل بمستقبل نزاع دولي كبير.

ولا يمكن فصل هذه الأدوار عن البيئة الدولية التي تعمل فيها الدبلوماسية الإماراتية؛ فالعلاقات الاقتصادية والتجارية، وشبكات الطيران والموانئ والاستثمار، واتساع الشراكات مع القوى الدولية، كلها مقومات تعزز قدرة الدولة على التواصل مع أطراف متعددة. وفي عالم تتداخل فيه المصالح، وتؤثر فيه قوى كبرى مثل الصين بما تملكه من علاقات استراتيجية واقتصادية واسعة، تزداد أهمية العواصم التي تستطيع بناء جسور الاتصال والحفاظ على قنوات الحوار.

وهذا الدور لا يُقرأ بعيداً عن الخليج؛ فدول مجلس التعاون تتشارك في مصالح الأمن والاستقرار والتنمية، وقد تتعدد أدوارها ومبادراتها بحسب طبيعة كل ملف، لكن تكامل الجهود يظل من عناصر قوة المنطقة. فالنزاعات لا تقف آثارها عند حدود الدول المتحاربة، بل تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة وأمن الممرات البحرية، وهو ما يجعل التنسيق الخليجي ضرورة استراتيجية، لا مجرد تقارب في المواقف.

وأنا، بصفتي كاتبة وطنية، أقرأ هذه المحطات باعتزاز؛ فمن قيام الاتحاد، إلى تأسيس مجلس التعاون، ثم الوساطات الإقليمية والإنسانية، وصولاً إلى استضافة محادثات دولية مرتقبة، أرى مسار دولة لم تتخلَّ عن منهج مؤسسها، بل طوّرت وسائلها وعلاقاتها لتؤدي دوراً يتناسب مع مكانتها ومسؤولياتها.

إن فخرنا بأبوظبي ليس لأنها تستضيف اجتماعاً دولياً فحسب، وإنما لأن وراء هذه الاستضافة تاريخاً من بناء الثقة وفتح أبواب التفاهم. تلك ذاكرة إماراتية وخليجية تستحق أن تحفظها الأجيال؛ لتعرف أن الدول لا تصنع مكانتها بما تملكه وحده، بل بما تحسن توظيفه من حكمة وعلاقات ومواقف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE