حديثنا لا ينطبق على مجال دون غيره، إنّه يمتدّ إلى مناحي الحياة جميعها، حتى الأحاسيس.
حين تتعامل مع مشكلة ما؛ تجد نفسك أمام اضطرار اللجوء إلى مُعين يرشدك إلى ما ينبغي فعله.. بالطبع، هذا هو الواقع، لكنّنا نُنكر إطلاقه؛ من حيث أنّ هناك فعلاً من يُعينك، أو يمكنه تحديد مشكلتك وبالتالي حلّها. هذا الأمر يُعيد فكرة الخبير أمام ملامح تفكيرنا بمجموع قواعد "الخبرة" أو التعاليم عموماً، مهما كان مصدرها.
كثيرة تلك القصص التي تحدّث الناس فيها عن حلّ أزمة استفحل تعقيدها، بسرّ بسيط أخرجه إلى العلن شخص ما، سواء في سياق مدح وتلميع هذا "الخبير، العارف، المتنبّئ، .. إلخ"، أو في سياق تسويق فكرة بغرض آخر، ربّما التشجيع. ليس هذا ما نريد قوله؛ إنّما هي الفكرة التي تراود كلّ الناس حول جدارة أيّة فكرة *مهما كانت قداستها* بحل مشكلاتهم. سيّما عندما يتساءلون؛ في ذوات أنفسهم:
أين ذهب التزام معايير وصفة ما وقد حصل ما كنّا نخشاه؟
أين ذهب التحوّط في عدم ظلم إنسان كي لا نُظلم، وقد ظُلمنا؟
أين ضاعت أيّام استهلكها التفرّغ للدعاء ولم نجد نتيجته؟
كيف حدث عكس ما توقّعته لنا أبراجنا؟
كيف فُسّر المنام بعكس تأويله؟
لماذا سرنا في خطة نجاح فلان، ولم نصل إلى ما وصل إليه؟
إلى آخر هذه الأسئلة التي لا آخر لها. ما يمكننا فعله: هو الإجابة على سؤال يُعفي الناس من متابعة أسئلة كهذه، الأهمّ من ذلك يُعفيهم من متابعة من يسوقهم إلى أوهامهم تلك. السؤال هو: هل يمكن وضع قاعدة؟
أو بتعبير أوضح؛ هل يمكن صياغة حكم واحد لكلّ الناس في ذات الحالة؟
مثلاً: هل يمكن تحديد مصير ملايين الناس، وما سيحدث معهم في ذات اليوم؛ وفقاً لـ(12) مساقاً؛ هي عدد الأبراج التي يتابعها هؤلاء يوميّاً؟
حين تعرف أنّ أحوال شخص واحد من هؤلاء، وفي يوم واحد، بل في ساعةٍ واحدة؛ تتغيّر مرّات ومرّات، يمكنك استنتاج: أنّ شيئاً كثيراً من الجهل وراء الاعتقاد بهذه القاعدة. لا يعني هذا أن لا قيمة لها؛ فقد تكون موجّهة لأمر ما، لكنّك غِبتَ عن الأمرين معاً. ما قلته عن الأبراج ينطبق على كل قواعد الدنيا، حتّى السماويّة منها. بالنسبة لأهميّة التوجيه: فقد تجد في كلام العرّافة ما لا تجده في كلّ مواعظ الدنيا وواعظيها.
قصص الصبر مثلاً: تنتهي عند جميع قاصّيها بالفوز، التعويض، أخذ الحقّ... إلخ، لكنّها في الحقيقة لا تأتي بكلّ هذا، بل تنتهي بالبؤس ولعنات الشؤم. إنّها لا تُضيف للقوي إلّا قوّةً، وللضعيف إلّا ضعفاً وهزالاً وتسليماً للقويّ.
غير ذلك من الأمثلة كثير: ما تَفعَله مسرحية تراكم الأحداث هذه هو: ولادة قصّة هجينة؛ تَخدِمُ الحالةَ الراهنة؛ التي تحكم ظروف سرد القصّة. لكنّ هذا لا يكفي لأخذها مفعولها، بل ينبغي لها الاقتران بِفَهمِ المتلقّي لها. هذا الاقتران يولّد حالةً جديدةً من التوالد المسرحي هذا، هذه الحالة بمجموعها: الأوّل والثاني؛ هي أيضاً مشهدٌ جديد.
هذا المشهد يولد اختلافاتٍ عدّة بين كلّ متلقٍّ وتعامله مع القصة، بل بين متلقٍّ واحد والقصّة على امتداد زمان وَصلِه بها وتغيّر فهمه لها.
إذاً؛ كيف يمكن لقصّة، موعظة، وصفة، ... إلخ، أن تحدّد شكل المشكلة، وأن تضع تبعاً لذلك حلّها، ولا تنسى أنّ ظاهرةً كهذه؛ تجعل مستحيلاً معها السماح لحلٍّ واحدٍ بمواءمةِ أَكثَرَ من مشكلة، بل ذات المشكلة في أكثر من لحظة؟
مثالٌ تطبيقيّ أوّل: لا يخفى على أحدكم كيف يستجيب شخص لعلاجٍ دوائيٍّ ما ولا يستجيب آخر، بل ذات الشخص لا يستجيب لذات الدواء في وقت آخر.
فكّر في عدم الاستجابة من هذه الزاوية؛ فالكلّ يُخطئ حين يُبرّر ذلك بتقدّم العمر. العمر لا يتقدّم؛ بل تتغيّر المراحل. أنت: طفلٌ، شابٌّ، وشيخ في ذات اللحظة؛ وفقاً لنظريّتنا في "وحدة الزمن".
مثالٌ تطبيقيٌّ ثانٍ: فشلت كلّ وصفات خبراء الأسرة، علم الاجتماع، النفس، الجريمة، التنمية البشرية.... إلخ، في حماية الأسرة ضدّ أزماتها الاجتماعيّة، بالذات تلك التي تحكم ربّ الأسرة بزوجته من جهة، وبأبنائه من جهة ثانية. ففي حين تركّزت كل الجهود حول صياغة قاعدة اقتصاديّة يُمكنها نسبِةُ المشكلة إليها وحلّها مع اجتياز مفاصلها، أو أخرى اجتماعيّة؛ وتفكيك التصادم بين عناصرها، أو قاعدةٍ ثقافيّةٍ يمكن إزالة متاعبها.... إلخ.
غابت كل هذه الدراسات عن أصل هويّة الوجود، وهي "الحريّة"، التي نحدّد إطارها في مسار بحثنا هذا بالإجابة على سؤال مفاده: كيف يكون الشخص هنا حرّاً وعبداً في آنٍ معاً؟
هذا؛ علاوة على أنّها *أي الدراسات* جَهلت بإمكانيّة حصر كلّ هذه المشكلات ضمن قاعدة.
إذا أردنا تحديد فهمنا بشكلٍ أدقّ؛ يمكننا الإطلال على هذه الزاوية من جهة العمل في إطار الأسرة، فكيف لربّ الأسرة أن يكون خاضعاً لأوامر ودهاليز إرضاء رئيسه؛ في ذات الوقت الذي يفرض فيه سيطرته، المنعكسة عن وَضع الخضوع هذا؛ بطريقةً تنقلب فيها إلى محاولةِ ربِّ الأسرةِ *دون أن يشعر أحياناً ولو حاول تجاوز ذلك* تقمّص دور الرئيس؟
تزداد صورة القاعدة هذه تعقيداً؛ حين تكون المرأة عاملة كذلك، بل وتزداد حين تعجز عن إطلاق حكمها على أشخاص الأعمال الحرّة وعلاقتهم بأنفسهم أو بغيرهم من الفئات.
ما يعني بحثنا في هذه الصور؛ تلك الروابط بين كلّ القواعد السابق الإشارة إليها، ومحاولات الناس *من كلّ الفئات* التفلّت منها في صورة التزامها، بمعنى الاستعانة بها في كلّ مرحلة وعند كلّ لحظة تتغيّر فيها المصلحة.
من هذا المنظور؛ هل ننتهي إلى فكرة مفادها أن القواعد تكذب، أم أنّها هي الكذب ذاته؟
حتى تلك التي يُقال أنّها صادقة أو ثابتة أو أنّها الحقيقة، لا يُمكنها التفلّت من حصارنا هذا.