رأيتُ اليوم المنطقة العمياء الثالثة؛ تلك الواقعة بين عين التنمية وعين المستقبل، لكنها لا تنتمي إلى أيٍّ منهما!.
مساحةٌ لا حوار فيها ولا جسور، حيث تهتز فصائل الأوطان وتتآكل، لتولد سلالةً بلا دين ولا جذور واضحة، لا خطوات فيها نحو الغد، بل سهامٌ طائشة في لعبةٍ محرّمةٍ في عُرف القيم، تتقن إصابة المعنى قبل أن تمنحه فرصة النجاة.
هكذا، وباختصار، جاءت التحديات من موضعٍ يشبه مثلث برمودا؛ منطقةٌ تبتلع الأسئلة قبل أن تجد لها جوابًا، ولا تؤمن بك إن كنت متقدّمًا، ولن تمدّك بالعمر إن كان زمانك منجزات.
هناك يغرق اليقين في دوامةٍ من الغموض، وتضيع البوصلة بين ما كان يجب أن يكون وما آل إليه الواقع، تستفزّ الممرات، وتُسجّل الوثائق أختامًا تعاني آفة التاريخ؛ تاريخًا قيل عنه إعمار، لكنه في جوهره إغراق، وقيل عنه بناء، لكنه ترك في القاع مدنًا من الأسئلة وخرائط من الخسارات.
لكن عند السارية، نبتت إلى جانب الرؤية حقيقةٌ أخرى؛ حقيقةٌ لا تقبل اهتزاز المثلث ولا تنحني لرياحه، وتؤمن بأن الله أودع العزة في الأرض وأهلها، وفي عزائم الفطرة حين تصرّ على النهوض.
ومن هناك تدفّق سيلٌ من ثمار الفكر والإصرار، ليكشف أن الممر الحقيقي ليس بين الخوف والأمان، بل بين أن تحيا حياةً عابرة، أو أن تحيا أثرًا باقيًا، فنحن نعرف الحياة من أبسط حقائقها؛ أصلٌ يمتد، وفرعٌ ينمو، ورجلٌ وامرأة، وأبٌ وأم، وجذرٌ يمنح الغصن معنى انتمائه.
أما السلالات التي تبحث عن وجودها خارج جذورها، والهويات التي تنكر شهادة ميلادها الأولى أو تبعات منهجها المصيري، فإنها لا تتحرر كما تظن، بل تدخل في صراعٍ لا ينتهي مع صورتها في المرآة، فالأصل ليس قيدًا على الوجود، بل شرطٌ من شروط اكتماله.
يبقى السؤال سؤالًا، وتبقى الثوابت إرثًا لا تذروه الرياح، لسنا أطرافًا في النزاعات، بل نحن الصميم الذي تحوم حوله عقارب الساعة، وتتشكل عنده الأهداف، وتُقاس به الاتجاهات، لذلك اخترنا ازدهارًا يقود إلى البقاء والبناء، واخترنا أن تكون المنجزات جذورًا تمتد في الأرض دومًا، لا مجرد خدماتٍ عابرة في سيولة العولمة، ولا أمواجًا تغرق في أجندات متحولة؛ لأن الحياة، في فلسفتها الأعمق، حوارٌ بين أصلٍ يمتد وفرعٍ ينمو، لا خصومةٌ بينهما.