لم يعد البورتريه في الفن المعاصر معنيًا بالسؤال القديم: إلى أي مدى يشبه الرسم صاحبه؟ فقد تجاوز الفنان المعاصر وظيفة المحاكاة منذ أن أصبحت الصورة الفوتوغرافية قادرة على تسجيل الملامح بدقة، وأصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا يستطيع الفنان أن يرى خلف هذا الوجه ولا تستطيع العين العابرة أن تراه؟ ومن هذه المساحة يمكن الدخول إلى تجربة الفنانة البحرينية ابتهاج فخرو، التي تتعامل مع الوجه بوصفه بداية للسؤال لا نهايته، ومساحة لاختبار الذاكرة والهوية والحضور الإنساني أكثر من كونه موضوعًا للتشخيص.
وفي سياق الحركة التشكيلية البحرينية التي راكمت عبر أجيالها تجارب متعددة في التعامل مع الإنسان والبيئة والهوية، تأتي تجربة فخرو لتضع البورتريه أمام قراءة مختلفة. فهي لا تتوقف طويلًا عند حدود الشبه، ولا تجعل اكتمال الملامح غايتها الأساسية، وإنما تستخدم الوجه كمساحة نفسية وبصرية تستطيع من خلالها الاقتراب من الإنسان في حالاته الأكثر التباسًا؛ حين يكون حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه، وحين يكشف جزءًا من ذاته بينما يحتفظ بجزء آخر بعيدًا عن أعين الآخرين.
لهذا يصبح "الطمس" مفتاحًا مهمًا في قراءة تجربتها. وهو ليس طمسًا بالمعنى التقني البسيط، ولا مجرد تأثير بصري يمنح اللوحة مظهرًا معاصرًا، وإنما يمكن قراءته باعتباره موقفًا فكريًا من الصورة نفسها. فالفنانة تبني الوجه ثم تسمح لبعض ملامحه بأن تتراجع، تظهر أجزاء وتختفي أخرى، وتتداخل الحدود بين الجسد واللون والخلفية، وكأن الصورة تخضع أمامنا لعملية تذكّر ونسيان في اللحظة ذاتها.
وهنا تطرح اللوحة سؤالًا يتجاوز البورتريه: كم من الإنسان نعرف حين نرى وجهه؟
ربما تكون الإجابة التي تقترحها تجربة فخرو هي أننا لا نعرف إلا القليل. فالوجه الذي يبدو واضحًا أمامنا قد يخفي تاريخًا كاملًا من المشاعر والتجارب والانكسارات والآمال. ومن ثم يصبح إخفاء بعض الملامح أكثر صدقًا أحيانًا من إظهارها كاملة، لأن الإنسان نفسه لا يقدم للعالم نسخة مكتملة من ذاته.
من هنا يتحول الطمس إلى مفارقة جمالية وفلسفية؛ فالفنانة تخفي لكي تكشف، وتمحو لكي تستدعي الذاكرة، وتترك النقص لكي يشارك المتلقي في استكماله. وهذه العلاقة بين المرئي والمستور تمنح أعمالها مساحة تأويلية مهمة، فلا تكون اللوحة خطابًا مغلقًا يفرض على المشاهد تفسيرًا واحدًا، وإنما تصبح مجالًا تتقاطع داخله تجربة الفنانة مع ذاكرة المتلقي.
ويبرز الوجه الأنثوي في عالم ابتهاج فخرو بوصفه أحد أكثر العوامل قدرة على التعبير عن هذه الثنائية. لكنها لا تتعامل مع المرأة باعتبارها نموذجًا للجمال أو موضوعًا زخرفيًا مألوفًا في تاريخ الرسم، بل بوصفها ذاتًا إنسانية مركبة. فالمرأة هنا ليست "موضوع اللوحة" بقدر ما تبدو صاحبة عالم داخلي مستقل، يحمل تناقضاته الخاصة بين القوة والهشاشة، والسكينة والقلق، والكشف والتحفظ.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ لأن قوة البورتريه المعاصر لا تكمن في جمال الوجه الذي يقدمه، وإنما في قدرته على تفكيك الصورة الجاهزة لهذا الوجه. وعندما تنجح فخرو في دفع المشاهد إلى تجاوز السؤال عن هوية المرأة المرسومة إلى السؤال عما تشعر به وما تخفيه وما مرت به، تكون قد نقلت العمل من مستوى التشخيص إلى مستوى التجربة الإنسانية.
أما اللون، فلا يأتي ليزين هذا العالم، وإنما يشارك في بنائه النفسي. فالطبقات اللونية، والتفاوت بين مناطق الكثافة والخفة، وما يتولد من تداخل بين الشكل والخلفية، تجعل سطح اللوحة أقرب إلى جلد للذاكرة. هناك شيء يظهر، وشيء آخر يبقى تحته، وشيء ثالث لا نراه ولكننا نشعر بأثره.
وهذا البناء الطبقي يمكن قراءته باعتباره استعارة بصرية للإنسان نفسه. فنحن لا نصل إلى لحظتنا الراهنة من فراغ، وإنما نحمل داخلنا طبقات متراكمة من طفولة وتجارب وعلاقات وأماكن وفقد وفرح وخوف وأمل. قد تغطي التجربة الجديدة ما سبقها، لكنها نادرًا ما تمحوه تمامًا. يبقى الأثر، تمامًا كما تبقى آثار الطبقات السابقة تحت سطح اللوحة.
وعند هذه النقطة تقترب تجربة فخرو من منطقة تجمع بين التشخيص والتجريد. فهي تحتاج إلى الوجه لأنه يمنح العمل مرجعيته الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته تفكك هذا الوجه باللون والطمس والمساحات الحرة حتى لا يبقى أسيرًا للواقعية. وهكذا تتحرك اللوحة في منطقة وسطى؛ نعرف أننا أمام إنسان، لكننا لا نستطيع اختصاره في ملامحه.
وهذه المنطقة هي التي تمنح التجربة قدرتها على الحوار مع لغة الفن المعاصر، حيث لم يعد السؤال متعلقًا بمهارة الفنان في إعادة إنتاج الواقع فحسب، بل بقدرته على إعادة التفكير فيه.
غير أن استخدام الطمس في الفن المعاصر يضع الفنان أمام تحدٍ حقيقي أيضًا؛ إذ يمكن أن يتحول بسهولة إلى حل بصري متكرر إذا انفصل عن ضرورته الفكرية. وقوة تجربة فخرو تزداد كلما أصبح الطمس نابعًا من منطق العمل وحالته النفسية، لا مجرد علامة أسلوبية تتكرر من لوحة إلى أخرى. فالتقنية، مهما كانت جذابة، لا تصنع مشروعًا فنيًا بمفردها؛ الذي يصنع المشروع هو السؤال المستمر الذي يجعل التقنية تتطور وتتغير معه.
ومن هنا تبدو أمام ابتهاج فخرو مساحة خصبة لتوسيع مشروعها أكثر، خصوصًا إذا استمرت في دفع مفهوم الوجه إلى مناطق جديدة تتجاوز البورتريه الفردي نحو أسئلة الذاكرة الجمعية والمرأة والمكان والزمن. فالوجه قادر على أن يحمل أكثر من سيرة شخصية؛ يمكن أن يتحول إلى ذاكرة مجتمع، وأن يصبح شاهدًا على تحولات المكان، وأن يحمل داخل ملامحه تاريخًا لا تقوله الكتب.

وهذا الارتباط بالذاكرة يكتسب أهمية خاصة داخل التجربة التشكيلية البحرينية. فالفن في البحرين ارتبط منذ بداياته الحديثة بالبحث عن العلاقة بين الإنسان ومحيطه، من البحر والقرية والمدينة والعمارة والذاكرة الشعبية إلى التحولات الاجتماعية والإنسانية التي صاحبت الحداثة. ومع الأجيال اللاحقة لم تعد الهوية مرتبطة فقط بتصوير المكان، بل أصبحت سؤالًا داخليًا يتعلق بالإنسان نفسه وبكيفية إدراكه لذاته داخل عالم سريع التحول.
ومن هذه الزاوية يمكن وضع تجربة ابتهاج فخرو داخل المشهد البحريني المعاصر؛ فهي لا تحتاج إلى رسم البحر أو البيت القديم أو المفردة التراثية لكي تتحدث عن الإنسان المنتمي إلى هذا المكان. فالهوية يمكن أن تكون موجودة في الشعور، وفي الذاكرة، وفي طريقة بناء السؤال الإنساني نفسه.
واللافت في تجربتها أن الصمت يحتل مساحة لا تقل أهمية عن اللون. فالوجوه لا تصرخ، ولا تعتمد بالضرورة على حركة درامية مباشرة، وإنما يبدو الكثير منها وكأنه يحتفظ بكلام لم يُقل. وهذا الصمت يمنح المتلقي فرصة للدخول إلى العمل بدل الاكتفاء بمشاهدته من الخارج.
إننا أمام لوحات لا تقول: انظر إلى هذا الوجه، بقدر ما تقول: حاول أن ترى ما وراءه.
وهنا تحديدًا يتحول البورتريه من صورة إلى تجربة. فالفنانة لا تطلب منا أن نتعرف إلى الشخصية، وإنما أن نتعرف إلى شيء من أنفسنا من خلالها. قد يرى أحدهم في وجه مطموس ذكرى، ويرى آخر فقدًا، بينما يقرأ ثالث قوة أو عزلة أو انتظارًا. ولا يعني تعدد القراءات غياب المعنى، بل يدل على أن العمل استطاع أن يترك مساحة للمتلقي كي يصبح طرفًا في إنتاجه.
وتلك واحدة من أهم رهانات الفن المعاصر: ألا تكون اللوحة نهاية الفكرة، بل بدايتها.
إن فلسفة ابتهاج فخرو، كما تكشفها أعمالها، تقوم في جوهرها على البحث عما لا يظهر بسهولة. الوجه موجود، لكنه ليس الحقيقة كلها؛ اللون حاضر، لكنه يحمل ذاكرة أبعد من قيمته الجمالية؛ والطمس يخفي أجزاء من الصورة، لكنه في اللحظة نفسها يفتح مساحات جديدة للرؤية.
ولهذا يمكن القول إن ابتهاج فخرو لا ترسم الوجه بقدر ما تختبر حدوده. إنها تسأل ماذا يبقى من الإنسان حين تتراجع ملامحه، وماذا تستطيع الذاكرة أن تحفظ حين تبدأ التفاصيل في الاختفاء، وهل يمكن للغياب أن يصبح شكلًا آخر من أشكال الحضور؟
ربما لهذا لا ينبغي النظر إلى الطمس في تجربتها بوصفه نهاية للصورة، وإنما بداية لقراءتها.
فليس كل وجه واضح قادرًا على كشف صاحبه، وليس كل وجه مطموس مجهولًا. أحيانًا تكون المساحة التي أخفاها الفنان هي تحديدًا المساحة التي تجعلنا نتوقف أمام العمل ونفكر. وبين ما ترسمه ابتهاج فخرو وما تقرر ألا تمنحنا إياه كاملًا، تتشكل فلسفة تجربتها: أن الإنسان أكبر من صورته، وأن الذاكرة أعمق من ملامحه، وأن الفن لا تكون مهمته دائمًا أن يجعل الأشياء أكثر وضوحًا؛ بل قد تكون مهمته الأهم أن يجعلنا نراها بصورة أعمق.
نبذة عن الكاتبة
شيرين فريد، كاتبة وصحفية بحرينية متخصصة في الشأن الفني، تقدم تغطيات وتقارير وحوارات تواكب أبرز المستجدات في عالم الفن والثقافة.