5 نوفمبر 2026
عبير الهاجري تكتب: الكفاءة قبل المسؤولية.. من الوعي الفردي إلى بناء الدول

حين نسأل لماذا تقوم الحروب، نفتّش عادةً في الأسباب والأهداف: مصالح وحدود وموارد وأيديولوجيات. لكن السؤال الأعمق الذي يستحق التأمل هو: من الذي يحرّك هذه الحروب؟ ومن يملك قرار البدء والتصعيد؟ وكيف يزن عواقب قراراته قبل أن تتحول إلى واقع تدفع الشعوب ثمنه؟ فالأسباب قد تتشابه عبر العصور، لكن الذي يتغير هو طبيعة القيادة، ومدى قدرتها على تقدير النتائج، وإدراك حدود القوة ومسؤولية استخدامها.

ومن هنا تبدأ الفكرة: الكفاءة ليست ترفًا إداريًا، بل هي أحد خطوط الدفاع الأساسية عن مصير الشعوب. ولكي نفهم ذلك، علينا أن نعود إلى الأصل الذي تقوم عليه كل مسؤولية، وهو الأمانة، فالمسؤولية عبء قبل أن تكون مكانة، والقيادة استحقاق قبل أن تكون امتيازًا. ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، قال النبي ﷺ لأبي ذر: «إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها». وفي صحيح البخاري: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».

والقرآن الكريم يرسم الميزان نفسه حين طلب يوسف عليه السلام أن يتولى خزائن الأرض فقال: «إني حفيظ عليم»، فجمع بين الأمانة والعلم. وفي قصة موسى عليه السلام جاء قوله تعالى: «إن خير من استأجرت القوي الأمين»، ليؤكد اجتماع القدرة والأمانة فيمن يتولى العمل. وعلى هذا الأساس تناول ابن تيمية في «السياسة الشرعية» مسألة اختيار الأصلح للولايات، موضحًا أن القوة والأمانة تتحددان بحسب طبيعة كل مسؤولية وما تتطلبه من قدرة واستقامة، فالكفاءة دون أمانة قد تتحول إلى أداة للإضرار، والأمانة دون قدرة قد تعجز عن تحقيق المصلحة العامة. وإذا كان هذا هو الميزان، فلننظر كيف عمل في وقائع التاريخ، وكيف غاب في لحظات أخرى.

ففي أثينا القديمة، وتحديدًا عام 415 قبل الميلاد، اتخذت الجمعية الأثينية قرار إرسال حملة عسكرية إلى صقلية في سياق طموحات سياسية وعسكرية واسعة. دافع ألكيبيادس عن الحملة بحماسة، بينما حذّر نيقياس من مخاطرها وكلفتها، ومضى القرار رغم التحذيرات، وشارك في قيادة الحملة ثلاثة قادة هم ألكيبيادس ونيقياس ولاماخوس. وانتهت الحملة عام 413 قبل الميلاد بكارثة عسكرية أضعفت أثينا. وتكشف هذه الواقعة أن وجود التصويت لا يعني بالضرورة سلامة القرار، وأن البلاغة والحماسة لا تكفيان لصناعة الرشد السياسي، فالمشاركة في القرار تحتاج إلى معلومات دقيقة ونقاش مسؤول ومؤسسات قادرة على اختبار الخيارات ومراجعة المخاطر قبل الدخول في مغامرات عسكرية واسعة. وليست العبرة هنا في نقد المشاركة الشعبية، بل في أن أي نظام سياسي، مهما اختلف شكله، يحتاج إلى وعي عام ومؤسسات توازن بين الحماسة والمصلحة، وبين الرغبة في التوسع والقدرة على تحمل النتائج.

وإذا كانت أثينا قد كشفت مخاطر القرار العسكري غير المحسوب، فإن أوروبا في صيف 1914 قدّمت نموذجًا أوسع لتشابك القرارات السياسية والعسكرية. فاندلاع الحرب العالمية الأولى لم يكن نتيجة قرار منفرد أو إرادة قائد واحد، بل جاء بعد أزمة متسارعة تداخلت فيها حسابات القوى الأوروبية والتحالفات العسكرية والتعبئة وسوء تقدير ردود الأفعال. وقد تناول كريستوفر كلارك في «السائرون نيامًا» شبكة القرارات التي أسهمت في الوصول إلى الحرب، فيما قدّمت باربرا توكمان في «مدافع أغسطس» قراءة مهمة لأخطاء القيادات والتقديرات العسكرية في بداياتها. وتكمن أهمية هذه التجربة في أن القرار الذي يبدو محدودًا لحظة اتخاذه قد يتحول، بفعل تداخل المصالح والتحالفات، إلى أزمة تتجاوز حدود الدولة التي بدأ منها، وهنا تصبح مسؤولية القيادة مرتبطة بقدرتها على قراءة المشهد الدولي وتقدير احتمالات التصعيد، وعدم الخلط بين امتلاك القوة وحسن استخدامها.

غير أن أخطاء القرار لا تبدأ دائمًا عند لحظة الأزمة، بل قد تتشكل قبلها بسنوات، حين تضعف معايير الاختيار وتتراجع الكفاءة وتنفصل السلطة عن أسباب القوة التي قامت عليها الدولة. وهذا ما يفتح لنا باب العودة إلى ابن خلدون، الذي قدّم في «المقدمة» قراءة عميقة لأطوار الدول، وشرح كيف يؤدي الترف وضعف العصبية وانفراد الحاكم بالمجد إلى تراجع أسباب القوة والتماسك. وربط في نموذجه التاريخي عمر الدولة بثلاثة أجيال قدّرها بنحو مئة وعشرين سنة، بوصفه تصورًا لأطوار الدولة والعمران لا قانونًا حتميًا ينطبق على كل دولة في كل زمان. وأهمية هذه القراءة أن استدامة الدول لا تتحقق بالمحافظة على ما أُنجز، بل بتجديد أسباب القوة وتطوير المؤسسات والحفاظ على الكفاءات القادرة على مواصلة البناء.

أما الفكر السياسي الإسلامي فقد تناول المسألة من زاوية شروط تولي المسؤولية. فالماوردي في «الأحكام السلطانية» وضع شروطًا للإمامة، منها العدالة والعلم والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، كما تناول شروط الولايات المختلفة، بما يؤكد أن المسؤوليات العامة تحتاج إلى أهلية تناسب طبيعة كل ولاية. لكن الفكرة لا تكتمل بالتنظير وحده، بل تحتاج إلى مؤسسات تحوّلها إلى ممارسة، وهنا تقدّم سنغافورة نموذجًا معاصرًا في بناء الخدمة المدنية على أساس الجدارة. فقد تأسست لجنة الخدمة العامة السنغافورية في الأول من يناير 1951، قبل استقلال البلاد عام 1965، وتطورت أدوارها في التوظيف والترقية والتأهيل، كما توسعت سياسات الدولة في إعداد الكوادر الوطنية والمنح والتدريب. وتوضح هذه التجربة أن الاستثمار في الإنسان وبناء إدارة قائمة على الاستحقاق يحتاجان إلى مسار مؤسسي طويل، لا إلى قرارات وقتية أو شعارات إدارية.

ويقدّم سد مأرب في اليمن مثالًا رمزيًا على هذه الفكرة. فقد كان من أعظم منشآت الري في جنوب الجزيرة العربية، وارتبط بحضارة سبأ، وذُكر «سيل العرم» في القرآن الكريم في سياق الحديث عنهم. وتذكر بعض المصادر أن ترميم السد توقف في القرن السادس الميلادي، فلم تحمه عظمته من الانهيار حين غابت الصيانة والمسؤولية. وبعد قرون طويلة، أعاد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إحياء المشروع، فوُقّعت اتفاقية التنفيذ في صنعاء في يوليو 1984، وافتُتح السد الجديد في ديسمبر 1986، وذكرت صحيفة ذا ناشيونال أن المشروع اكتمل قبل موعده بنحو ثمانية أشهر. وتكمن الدلالة في أن القرار الصحيح لا يقوم على الإنشاء وحده، بل على قائد يقدّر قيمة الماء والاستقرار والبناء المتراكم، ويتخذ قراره في وقته، ويتابع تنفيذه حتى يكتمل. فالمنشآت الكبرى تبقى بمن يتحمل أمانتها.

وإذا جمعنا هذه التجارب ظهر لنا أن الرشد ليس مجرد صفة شخصية، بل منظومة متكاملة تجمع العلم بالعواقب، وضبط النفس عند الغضب والغرور، والقدرة على التمييز بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وقبول المساءلة. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون من يقرر الحرب والسلم مدركًا أن قراره لا يخص موقعه السياسي وحده، بل يمس حياة المواطنين وأمن الأجيال واستقرار الاقتصاد والعلاقات الدولية، فالحروب لا تتوقف آثارها عند حدود الخرائط، بل تمتد إلى المجتمعات والأسواق وطرق التجارة والطاقة والأمن الإقليمي. ومع اتساع خرائط التأثير السياسي والاقتصادي وتشابك المصالح الدولية، أصبحت مسؤولية القيادة أكثر تعقيدًا، فلم يعد كافيًا أن يملك المسؤول سلطة إصدار القرار، بل صار مطالبًا بفهم الترابط بين الأمن والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية، وتقدير ما قد يترتب على قراراته خارج حدود دولته أيضًا. وهنا تبرز أهمية المؤسسات التي تراجع القرار، والمعايير التي تضبط الاختيار، والمساءلة التي تمنع تحول السلطة إلى قرار فردي لا يضع عواقبه في حسابه.

فكيف يتحول الرشد من فضيلة فردية إلى نظام يحمي الدولة؟ يبدأ ذلك من الفرد حين يسأل نفسه: هل أمتلك الأهلية لما أطلبه؟ ثم يتحول إلى ثقافة مؤسسية تجعل الاستحقاق أساسًا للاختيار، وتضع معايير واضحة وشفافة لتولي المسؤوليات، وتبني مسارات تأهيل وتدرّج تختبر قدرات القيادات قبل تسليمها الملفات الكبرى. ويكتمل ذلك بمساءلة حقيقية وتقييم مستمر للأداء وتعليم وتدريب يصنعان أجيالًا قادرة على التفكير والتقدير وتحمل المسؤولية. وبهذا تصبح الكفاءة قبل المسؤولية مبدأً يرتبط باستقرار الدول وحماية المجتمعات من كلفة القرارات غير الرشيدة، فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد تداول السلطة أو التصويت، كما أن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على اتخاذ القرار وحدها، بل بقدرتها على ضمان سلامته ومراجعته وتحمل نتائجه.

وليس الخطر في أن يصل الإنسان إلى موقع المسؤولية، بل في أن يصل إليه دون أهلية، أو أن ينسى أن المسؤولية أمانة لا امتياز. وكما بدأنا بالسؤال عمّن يحرّك الحروب، نختم بالتأكيد أن مصير الشعوب لا ينبغي أن يكون رهنًا بقرار يفتقر إلى الرشد، وأن الدول لا تُبنى بمن يملكون القرار فقط، بل بمن يستحقون حمل أمانته، ويدركون أن قوة القيادة الحقيقية تظهر في قدرتها على حماية الإنسان وصون الاستقرار وصناعة المستقبل.

أهداف المقال
ينطلق المقال من فكرة أساسية: استقرار الدول وحماية مستقبل الشعوب لا يرتبطان بامتلاك القوة أو صلاحيات القرار وحدها، بل بأهلية من يتولى المسؤولية، وقدرته على تقدير العواقب وتحمل نتائج اختياراته.

ويهدف إلى إعادة النظر في مفهوم القيادة بوصفها أمانة واستحقاقًا، لا مكانة أو امتيازًا، والتأكيد أن الكفاءة والأمانة شرطان متكاملان في إدارة شؤون الناس وصون مصالحهم.

كما يسعى إلى توضيح العلاقة بين أهلية القيادة وسلامة القرارات السياسية، ولا سيما قرارات الحرب والسلم، من خلال نماذج تاريخية كشفت كيف يحوّل سوء التقدير وغياب الرؤية الطموحات السياسية إلى أزمات تدفع الشعوب ثمنها.

ويتناول المقال مفهوم الديمقراطية من زاوية المسؤولية المؤسسية، موضحًا أن المشاركة والتصويت لا يكفيان وحدهما لضمان سلامة القرار ما لم يستندا إلى الوعي والمعرفة والنقاش المسؤول والرقابة والمساءلة.

ويستعرض إسهامات الفكر السياسي والتجارب التاريخية والمؤسسية في بناء معايير الاختيار وإعداد القيادات، وصولًا إلى أهمية الانتقال من الاعتماد على الأفراد إلى بناء مؤسسات قادرة على اكتشاف الكفاءات وتأهيلها ومحاسبتها.

الرسالة الجوهرية: مصير الشعوب لا ينبغي أن يكون رهنًا بقرارات تفتقر إلى الكفاءة والرشد، وقوة الدول لا تقاس بمن يملكون سلطة القرار فحسب، بل بمدى أهليتهم لحمل المسؤولية، وبقدرة مؤسساتهم على حماية القرار من الخطأ ومراجعة نتائجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE