15 سبتمبر 2026
عبير الهاجري تكتب: من صورة عام 1904 إلى شراكة المستقبل.. قصة العلاقات الإماراتية الألمانية

حين يزور رئيس دولة الإمارات ألمانيا اليوم، قد تبدو الصورة وكأنها لحظة سياسية معاصرة: رئيسان، حكومتان، اتفاقيات واستثمارات، وملفات تتصل بالطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

لكن خلف هذه الصورة قصة أقدم بكثير، فالعلاقة الإماراتية الألمانية لم تبدأ بسفارة، ولم تبدأ باتفاقية استراتيجية، بل بدأت بصورة.

البداية: عدسة ألمانية توثق أبوظبي
في عام 1904، وصل المصور والرحالة الألماني هيرمان بورشاردت إلى أبوظبي، حاملاً كاميرته، فسجل مشاهد من مجتمع كانت أبوظبي فيه مدينة مختلفة تماماً عن التي نعرفها اليوم، ومن بين ما التقطته عدسته صور للشيخ زايد الأول ومجلسه وقصر الحصن.

كانت ألمانيا يومها ترى الإمارات من خلف عدسة، ولم يكن أحد يستطيع أن يتخيل أن تلك العدسة ستكون، بعد أكثر من قرن، جزءاً من قصة علاقة ستنتقل من توثيق المكان إلى المشاركة في تشكيل مستقبله.

الماء والبنية التحتية الأولى
بعد عقود، دخلت الخبرة الألمانية إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً ببناء الحياة الحديثة في الإمارات "الماء".

ففي ستينيات القرن الماضي، أسهمت شركة ألمانية في مشروع لمد خط مياه من العين إلى أبوظبي، في مرحلة كانت فيها الدولة تتجه نحو بناء بنية أساسية قادرة على استيعاب التحولات السكانية والعمرانية والاقتصادية التي كانت تقترب منها.

وهنا يصبح التاريخ أكثر دلالة، فالعلاقات بين الدول لا تبدأ دائماً من البيانات السياسية، أحياناً تبدأ من حاجة إنسانية، أو مشروع بنية تحتية، أو تقنية تدخل الحياة اليومية دون أن يعرف الناس بالضرورة اسم الدولة التي جاءت منها، وهذا تحديداً ما تكشفه قصة الصناعة الألمانية في الإمارات.

سيمنز: من المعدات إلى الأنظمة
من الأمثلة اللافتة حضور شركة "سيمنز" في مسيرة البنية التحتية الحديثة، ولا سيما في مجال الكهرباء والتقنية وأنظمة النقل والتحكم المروري.

في أبوظبي، بدأت تقنيات سيمنز تدخل منظومة إشارات المرور في سبعينيات القرن الماضي، ثم تطورت العلاقة من مجرد معدات إلى أنظمة أكثر تعقيداً للتحكم في حركة المدينة وإدارتها.

وهنا لا تعود سيمنز مجرد شركة ألمانية تعمل في سوق إماراتية، بل تصبح شاهداً على مرحلة كاملة من تحول المدينة، فالمدينة الحديثة لا تُبنى بالطرق والمباني وحدها؛ بل تحتاج إلى أنظمة تستطيع أن تجعل هذه العناصر تعمل معاً: كهرباء، اتصالات، نقل، تحكم، أتمتة، وإدارة للمعلومات.

وهكذا انتقلت العلاقة، بهدوء، من الأشياء التي تُرى إلى الأنظمة التي تعمل خلفها، من الماء الذي يصل إلى المدينة، إلى الطاقة التي تحركها، إلى الإشارات التي تنظم حركتها، إلى التكنولوجيا التي أصبحت جزءاً من قدرتها على إدارة نموها، ثم جاءت السيارات والصناعة والتقنيات الألمانية لتدخل تفاصيل أخرى من الحياة الإماراتية.

من التلقي إلى الشراكة الرسمية
لكن الأهم أن الإمارات لم تبقَ في موقع المتلقي، ففي عام 1972، وبعد أشهر قليلة من قيام دولة الاتحاد، بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الإمارات وألمانيا.

ومنذ ذلك الوقت أخذت العلاقة مساراً مختلفاً، لم تعد المسألة مجرد نقل خبرة من دولة صناعية إلى دولة حديثة التكوين، وبدأت الإمارات نفسها تتحول إلى دولة تمتلك ما تقدمه، ومع مرور السنوات، انتقلت العلاقة من التعاون في المشاريع إلى بناء المصالح المشتركة.

وفي عام 2004، دخل البلدان مرحلة الشراكة الاستراتيجية، ثم تطورت هذه الشراكة لاحقاً لتشمل مجالات أوسع، وصولاً إلى المرحلة التي نراها اليوم.

سؤال جديد: ماذا نبني معاً؟
وهنا يتغير السؤال.
لم يعد السؤال: ماذا تستطيع ألمانيا أن تقدم للإمارات؟
بل أصبح: ماذا تستطيع الإمارات وألمانيا أن تبنيا معاً؟
وهذا التحول هو ربما أهم ما تكشفه زيارة رئيس دولة الإمارات إلى ألمانيا اليوم، فالمجالات المطروحة لم تعد تشبه البدايات الأولى للعلاقة.

نحن أمام الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والهيدروجين، والتكنولوجيا المتقدمة، والتصنيع، والاستثمار، والبنية التحتية الرقمية، أي أن العلاقة انتقلت من بناء احتياجات المدينة إلى بناء قدراتها المستقبلية.

المفارقة الجميلة
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في هذه القصة، الرجل الألماني الذي جاء إلى أبوظبي عام 1904 كان يحمل كاميرا، وبعد أكثر من قرن، تأتي الإمارات إلى ألمانيا وهي تحمل معها منظومة من رأس المال والاستثمار والطاقة والموقع والبنية التحتية والطموح التكنولوجي.

تغيرت الأدوات، وتغيرت موازين العلاقة، لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً، الرغبة في تحويل المعرفة إلى شيء قابل للبناء، ولعل قصة سيمنز تختصر جانباً مهماً من هذه الرحلة.

فما بدأ بتكنولوجيا تدخل إلى مدينة في طور التشكّل، أصبح مع الزمن جزءاً من منظومة أكبر، ثم تحولت الإمارات نفسها إلى شريك قادر على الدخول في مشاريع التكنولوجيا والصناعة والطاقة على مستوى عالمي.

أكثر من قرن من التحول
وهنا لا تصبح زيارة رئيس دولة الإمارات إلى ألمانيا مجرد امتداد لعلاقة بدأت عام 1972، إنها لحظة يمكن أن نقرأ فيها أكثر من قرن من التحول، من رجل جاء ليرى المكان ويسجل صورته، إلى شركات جاءت لتشارك في بناء بعض بنيته، إلى دولتين تبحثان اليوم في كيفية بناء ما هو أبعد من البنية التحتية نفسها.

بناء المستقبل.
لذلك ربما يكون السؤال الأجدر بالطرح اليوم ليس: متى بدأت العلاقات الإماراتية الألمانية؟، بل: كيف استطاعت علاقة بدأت بصورة أن تتحول إلى شراكة تصنع المستقبل؟

فالقيمة الحقيقية للتاريخ ليست أن يخبرنا من أين بدأنا فقط، وإنما أن يكشف لنا كيف تغيرت طبيعة ما نستطيع أن نبنيه معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE