قد تستيقظ في ساعات الليل المتأخرة أو قبيل الفجر، وتتوجه مباشرة إلى الثلاجة لتبحث عن وجبة خفيفة، رغم أنك لا تشعر بحاجة حقيقية إلى الطعام. وربما تجد نفسك تكرر هذا التصرف كل ليلة، من دون أن تنتبه إلى أن الدافع وراءه قد لا يكون الجوع، بل التوتر أو الملل أو الإرهاق أو مجرد الاعتياد على تناول الطعام قبل النوم.
ولا تعني الرغبة في الأكل ليلًا بالضرورة أن الجسم يحتاج إلى مزيد من الطاقة؛ فقد ترتبط هذه العادة بروتين يومي اعتدت عليه، مثل تناول المقرمشات أثناء مشاهدة التلفزيون أو تصفح الهاتف قبل الخلود إلى النوم.
وفي هذا السياق، ترى اختصاصيات التغذية أن التعامل مع الأكل الليلي يبدأ أحيانًا بخطوة بسيطة، تتمثل في التريث قليلًا قبل فتح الثلاجة، والتفكير في السبب الحقيقي وراء الرغبة في تناول الطعام. فهذه الوقفة تساعد على التمييز بين الجوع الجسدي والرغبة التي تحركها المشاعر أو العادات، وفقًا لتقرير نشره موقع «Eating Well».
ومع تكرار السلوك نفسه، قد يتحول تناول الطعام ليلًا إلى عادة تلقائية؛ إذ يربط الدماغ بين وقت الاسترخاء ومشاهدة المسلسلات أو الجلوس على الأريكة وتناول وجبة خفيفة، حتى يصبح حلول هذا الوقت محفزًا للرغبة في الطعام، بصرف النظر عن حاجة الجسم إليه.
وتوضح اختصاصية التغذية ليني يانكين أن التوقف للحظات قبل تناول الطعام يمنح الشخص فرصة لفهم دوافعه، من خلال طرح أسئلة بسيطة على نفسه: هل أشعر بالجوع فعلًا؟ أم أنني أشعر بالملل أو التوتر؟ وهل أرغب في الطعام بسبب الجوع أم لأنني اعتدت تناوله في هذا التوقيت؟
ولا يستهدف هذا الأسلوب تجاهل إشارات الجوع أو مقاومة حاجة الجسم إلى الغذاء، وإنما يساعد على فهم تلك الإشارات والتعامل معها بوعي، بدلًا من الاستجابة التلقائية لكل رغبة في تناول الطعام.
هل الجوع هو السبب دائمًا؟
وفي بعض الحالات، قد يصعب التمييز بين الشعور بالجوع والعطش أو التعب، فتبدو الوجبة الخفيفة الخيار الأسرع، رغم أن الجسم قد يكون بحاجة إلى شرب الماء أو الحصول على قسط من الراحة والنوم.
ومن جانبها، تشير اختصاصية التغذية كاثرين بروكينغ إلى أن التوقف القصير قبل الأكل يتيح مراجعة الحالة الجسدية وتحديد الاحتياج الفعلي؛ فإذا كان السبب العطش، يمكن شرب الماء، أما إذا كان الإرهاق هو المشكلة، فقد تكون الراحة أكثر فائدة من تناول الطعام. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار العطش أو التعب تفسيرًا لكل رغبة ليلية، إذ قد يكون الجوع حقيقيًا ويستدعي تناول وجبة مناسبة.
كما أن الانشغال بمشاهدة التلفزيون أو استخدام الهاتف أثناء تناول الطعام قد يقلل الانتباه إلى الكميات المستهلكة، ويجعل الشخص يأكل أكثر مما يحتاج إليه. وأظهر تحليل شمل 50 دراسة أن تناول الطعام بالتزامن مع ممارسة نشاط آخر قد يؤدي، في ظروف معينة، إلى زيادة الكمية المتناولة، في حين يسهم التركيز على الوجبة في تعزيز الوعي بما يأكله الشخص.
وتؤثر المشاهد والإعلانات الغذائية بدورها في الشهية؛ فقد يؤدي التعرض المتكرر لإعلانات الوجبات السريعة والمقرمشات إلى إثارة الرغبة في تناولها، حتى في غياب الجوع. ومن هنا، تساعد الوقفة قبل الأكل على معرفة ما إذا كانت الرغبة نابعة من حاجة الجسم أم نتيجة مؤثر خارجي أثار الشهية.
متى تكون الوجبة الليلية ضرورية؟
وعلى الرغم من أهمية التوقف والتفكير قبل تناول الطعام، فإن ذلك لا يعني الامتناع عن الأكل كلما ظهرت الرغبة فيه ليلًا؛ فقد يكون الجوع المسائي نتيجة عدم الحصول على كمية كافية من الغذاء خلال النهار، أو تجاوز إحدى الوجبات، أو ممارسة نشاط بدني أدى إلى زيادة احتياجات الجسم من الطاقة.
ولهذا، تنصح اختصاصية التغذية ليني يانكين بمراجعة الوجبات التي جرى تناولها على مدار اليوم، والتأكد من الحصول على غذاء كافٍ، ثم اختيار وجبة خفيفة متوازنة عند الشعور بالجوع، بدلًا من تناول أي طعام متاح بصورة عشوائية.
خيارات مناسبة عند الشعور بالجوع ليلًا
أما إذا تأكدت أن الجوع هو الدافع الحقيقي، فلا مانع من تناول وجبة خفيفة قبل النوم، مع اختيار أطعمة توفر عناصر غذائية تساعد على الشبع، مثل اللبن اليوناني مع التوت، أو كمية من اللوز والجوز، أو شريحة من خبز الحبوب الكاملة مع الأفوكادو أو زبدة الفول السوداني.
وتتميز هذه الخيارات باحتوائها على البروتين أو الألياف أو الدهون الصحية، وهي عناصر قد تساعد على إطالة الشعور بالامتلاء والحد من الرغبة في تناول المزيد من الطعام. كما خضع الكرز الحامض لدراسات بحثت في احتمال ارتباطه بتحسين النوم، إلا أن الأدلة المتاحة لا تزال غير كافية لاعتباره علاجًا لمشكلات النوم.
وفي النهاية، لا يتطلب التعامل مع الرغبة في تناول الطعام خلال الليل الامتناع عنه بصورة قاطعة، بل فهم السبب الذي يقف وراءها أولًا. فإذا كان الجسم بحاجة إلى الغذاء، فمن الأفضل الاستجابة للجوع بوجبة متوازنة، أما إذا كان الدافع الملل أو التوتر أو الاعتياد، فيمكن اختيار وسيلة أخرى تلبي الاحتياج الحقيقي وتساعد على كسر نمط الأكل التلقائي.