3 أكتوبر 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: القيادة التكيفية المبنية على الأساسيات.. "توقّع غير المتوقع"- الجزء الثاني

في الجزء الأول من مقال القيادة التكيفية المبنية على الأساسيات ,كان عن مفهوم القيادة التكيفية وتعريفها ,وأنواع التحديات وأمثلة عن القيادة التكيفية .وسأكمل في هذا الجزء ماتبقى من عناصر مهمة حتى يكون الموضوع شاملاً ومتكاملاً وأكثر وضوحاً, وأرجو أن يكون نافعاً ومفيداً .  

الركائز الأساسية للقيادة التكيفية
قدّم هيفتز وزملاؤه مجموعة من الممارسات الأساسية للتعامل مع العمل التكيفي، من أبرزها: الابتعاد قليلًا عن تفاصيل الحدث لرؤية الصورة الأكبر، تحديد التحدي التكيفي، تنظيم مستوى الضغط، الحفاظ على الانتباه المنضبط، إعادة المسؤولية إلى أصحاب المشكلة، وحماية الأصوات القادمة من المستويات الأدنى.  

ويمكن تحويلها إلى ركائز عملية للقائد:
أولًا: انظر من الشرفة قبل أن تنزل إلى ساحة العمل.
القائد الذي يعيش داخل التفاصيل طوال الوقت قد يرى الأحداث، لكنه لا يرى النمط الذي يجمع بينها.
لذلك يحتاج أحيانًا إلى التراجع خطوة، ومراقبة المؤسسة من الأعلى حتى يتسنى له رؤية الصورة كاملة .
ما الذي يتكرر؟.
أين تظهر المقاومة؟.
ما الذي لا يتحدث عنه الناس؟.
ما الذي نحاول تجنبه؟.
وأين توجد الفجوة بين ما نقوله وما نفعله؟.

ثانيًا: شخّص قبل أن تتدخل.
لا تبدأ بالحل.
ابدأ بالسؤال:
ما طبيعة المشكلة أصلًا؟.
هل هي تقنية؟.
تكيفية؟.
أم مزيج من الاثنين؟.
هذا السؤال البسيط قد يمنع المؤسسة من إنفاق وقت ومال كبيرين على حل المشكلة الخطأ.

ثالثًا: حافظ على مستوى صحي من الضغط.
التغيير من دون ضغط قد لا يحدث.
لكن الضغط المفرط قد يؤدي إلى الخوف والإنهاك والعودة إلى السلوكيات القديمة.
لذلك يحتاج القائد إلى خلق مساحة يستطيع الناس فيها مواجهة الحقيقة والتغيير دون أن يشعروا بأنهم مهددون إلى درجة تمنعهم من التفكير. 

رابعًا: لا تسمح للمؤسسة بالهروب من المشكلة.
عندما يصبح التغيير صعبًا، قد تبدأ المؤسسة في الانشغال بأمور جانبية؛ اجتماعات أكثر، تقارير أكثر، إجراءات أكثر، بينما المشكلة الأساسية لا تزال موجودة.
القائد التكيفي يعيد الجميع إلى السؤال الحقيقي:
ما الشيء الذي يجب علينا تغييره فعلًا؟

خامسًا: أعد المسؤولية إلى أصحابها.
ليست مهمة القائد أن يحمل كل المشكلات على كتفيه.
في التحديات التكيفية، الأشخاص الأقرب إلى المشكلة غالبًا يملكون معلومات لا يملكها القائد.
لذلك يجب أن يمنحهم مساحة للمشاركة والتجربة وصنع الحلول. فالقيادة التكيفية لا تقوم على اعتماد المؤسسة على قائد واحد، وإنما على بناء قدرتها الجماعية على التكيف. 

سادسًا: احمِ الأصوات التي قد لا ترغب المؤسسة في سماعها.
أحيانًا يكون الموظف الأقل سلطة هو الأكثر قدرة على رؤية المشكلة.
وقد يكون الموظف الجديد أكثر جرأة في طرح سؤال لم يعد أصحاب الخبرة يفكرون فيه.
لذلك يحتاج القائد إلى بيئة تسمح بالاختلاف، وتمنع الخوف من التعبير عن الرأي.
فالصمت التنظيمي قد يبدو هدوءًا، لكنه أحيانًا يخفي مشكلة لم تعد المؤسسة تسمح لأحد بالحديث عنها.
كيف نبني التكيف على الأساسيات؟.
التكيف لا يعني أن نغيّر كل شيء..
بل يعني أن نعرف ماذا نغيّر، وماذا نحافظ عليه.

ولبناء التكيف على الأساسيات يمكن للقائد أن يبدأ بخمس خطوات:
الأولى: حدد ما لا يتغير.
ما رسالة المؤسسة؟.
ما قيمها؟.
ما المبادئ التي لا ينبغي التخلي عنها؟.
ما المعايير الأخلاقية والمهنية التي يجب أن تبقى ثابتة مهما تغيرت الظروف؟.
هذه هي جذور المؤسسة.

الثانية: حدد ما يمكن أن يتغير.
بعد تثبيت الجذور، اسأل:
ما العمليات التي يمكن تعديلها؟.
ما المهارات التي نحتاج إلى تطويرها؟.
ما الأدوار التي تحتاج إلى إعادة تعريف؟.
ما الأساليب القديمة التي لم تعد مناسبة؟.
هنا تبدأ المرونة.

الثالثة: ابنِ قدرة التعلم، وليس مجرد قدرة التنفيذ.
المؤسسة التي تعرف تنفيذ الخطة فقط تكون قوية عندما تكون الظروف مستقرة.
أما المؤسسة التي تعرف كيف تتعلم، فتستطيع الاستمرار عندما تتغير الظروف.
ولهذا يجب أن تصبح الأسئلة مثل:
ماذا تعلمنا؟
ماذا لم نتوقع؟
أين أخطأنا في تقديرنا؟
ماذا تغير منذ أن وضعنا الخطة؟
ماذا ينبغي أن نعدل الآن؟
جزءًا طبيعيًا من العمل.

الرابعة: جرّب على نطاق صغير قبل أن تغيّر على نطاق واسع.
عندما لا يكون الحل معروفًا، لا تحتاج المؤسسة دائمًا إلى قرار ضخم ونهائي يمكنها أن تجرب، وتقيس، وتتعلم، ثم توسع ما أثبت نجاحه أو تتراجع عما لم ينجح.
وهذا يجعل الخطأ مصدرًا للتعلم بدل أن يصبح كارثة تنظيمية.

الخامسة: درّب الناس على التكيف، لا على تنفيذ التعليمات فقط.
إذا كانت المؤسسة تريد أن تكون تكيفية، فلا يكفي أن يكون قائدها تكيفيًاً.
يجب أن تتوزع القدرة على قراءة المتغيرات واتخاذ المبادرة والتعلم عبر المؤسسة كلها.
وهنا يتحول السؤال من:
هل لدينا قائد يستطيع التعامل مع الأزمة؟
إلى:
هل لدينا مؤسسة تستطيع التعامل مع الأزمة؟
وهذا تحول جوهري.
توقّع غير المتوقع.
ربما لا يستطيع أي قائد أن يعرف ما سيحدث غدًا لكن يستطيع أن يهيئ مؤسسته لاستقبال الغد.
وهذا هو الفرق بين التنبؤ بالمستقبل والاستعداد له.
التنبؤ يقول:
أعتقد أن هذا سيحدث
أما التكيف فيقول:
قد يحدث هذا، وقد يحدث شيء آخر؛ لذلك سأبني قدرة تجعلني قادرًا على التعامل مع الاثنين.

ومن هنا فإن القيادة التكيفية لا تطلب من القائد أن يمتلك كرة بلورية يرى من خلالها المستقبل 
وإنما تطلب منه شيئًا أكثر واقعية وأعمق قيمة:
أن يمتلك عينًا ترى التغير مبكرًا، وعقلًا يقبل عدم اليقين، وفريقًا يستطيع التعلم، وقيمًا تمنحه الثبات عندما تهتز الأرض من حوله.
فالأساسيات هي الجذور، والتكيف هو الأغصان التي تتحرك مع الريح.
والشجرة التي لا تنحني قد تنكسر، لكن الشجرة التي بلا جذور لا تستطيع البقاء أصلًا

ولهذا فإن القيادة التكيفية الناضجة ليست أن نختار بين الثبات والتغيير، وإنما أن نعرف متى نثبت، ومتى نتغير، وماذا يجب أن يبقى ثابتًا حتى ونحن نتغير.

وفي عالم  سريع التغير ، قد لا تكون المؤسسة الأكثر استعدادًا هي التي وضعت أطول خطة، ولا التي توقعت أكبر عدد من السيناريوهات؛ بل قد تكون المؤسسة التي تعلمت كيف تتعلم بسرعة عندما يتغير الواقع.

وهنا يصبح «توقّع غير المتوقع» أكثر من شعار للقيادة؛ يصبح فلسفة عمل:
ثبّت الأساسيات، راقب المتغيرات، تعلّم باستمرار، وكن مستعدًا لتغيير الطريقة دون أن تفقد البوصلة.
وهذه، في جوهرها، هي القيادة التكيفية.

المراجع:
اعتمدت في  الجزء التاريخي والمفاهيمي لهذا الموضوع (بجزئيه)  على إطار رونالد هيفتز وزملائه في جامعة هارفارد، مع الاستفادة من مصادر هارفارد ومراجعة أكاديمية حديثة نُشرت عام 2026.
Harvard Kennedy School. 
physicianleaders.org
learn.hms.harvard.edu

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE