16 يونيو 2026
د. راشد الشاشاني يكتب: نقطة الوصول وصدمة الأجيال

لم تكن غريبة سرعة انقلاب جيلنا المعاصر، ليست الأسباب واحدة، إنّها متعدّدة ربّما بتعدّد البشر أنفسهم ، لكنّها تستند جميعًا على حاجة النفس إلى الاستقلال، هذه الحاجة التي تظلّ - مهما كانت قويّة - خاضعة إلى مجموعةٍ من الضغوط، التي تشكّل حدوداً للسير نحو هذا الاستقلال، غير أن هذه الحدود تضيق و تتّسع بحسب قوّة الشخص ذاته.

هذه القوّة وتلك الحدود، تصوغ معها شكل الإنسان الحركي، بما تشمله الحركة من سكونها، المعتمِد على ضغط الخوف من عقاب يرتبه الإثم، هذا الإثم الذي يكتسب هويّته من شخص من يصنع هذه الحدود، مضاف إليه شخص من يتولّى تطبيقها، ما يعني أنّ هذه الحدود تسير طويلا تحت مظلّة الأهواء الشخصيّة، وهو ما يدعو إلى فرضها بسطوةٍ ما.

بعيدًا عن الخوض في أساس هذه السطوة، تولّدت مع هذا الواقع؛ مجموعة من الضوابط؛ بات من الضروري ضبط سير سلوك الأفراد وفقًا لها، وتفرّعت هذه الضوابط وفقا لتفرّع مناحي الحياة، لكن كلٌّ بقدر، هنا تشكّلت النقطة التي أطلقنا عليها "نقطة الوصول" والتي تعني أنّ من أراد الحياد عن إثم يرتّب جزاءٍ، أو مخالفةٍ ترتّب لوماّ؛ عليه أن يتبع ما أعِدّ مسبقا من قواعد.

هذا يعني بالضرورة مصادرة حريّة حركة الفرد، سواء حركته الفكريّة، العمليّة، أو السلوكيّة، بل وحتّى حريّة التجربة، لقد بات هناك خلط حتى بين النوايا والأفعال، بحيث يؤخذ الفرد بنيّته التي اقترنت بفعل واحد ولو لم يدلّ عليها، بل ولو على سبيل التجربة، قد يدفع ثمنها وصمةً تستغرق حياته كاملة، أو حتّى تكلّفه هذه الحياة.

سأعرِض سريعًا مشهدًا رأيته بالأمس؛ يحكي شيئا من هذه الصورة جمعتني صدفة برجلين تعديا الستين من العمر، الأوّل يحمل فكرًا يرى فيه حقيقة الحياة وحُسن سيرها، وأنّ تصرّفا غير لائق ـ من وجهة نظره ـ كمحاولة الرسم وعزف الموسيقى وغيرها، يحطّ من قدره أمام الناس، بعد برهة وصل الحديث إلى أنّ الثاني درس الموسيقى، وما أن بدأ بالعزف على الغيتار؛ حتى انساق كلاهما إلى التماهي مع حالة السرور التي سادت المشهد، لكنّي رأيت في عين الأوّل حسرة سمعتها تقول: لو أنّني تعلمت هذا منذ صغري، في حين سمعت همسة روح الثاني تقول: لو أنّي لم أرضخ لكل ما توهّمت عظمته وجدارته بالاحترام؛ لكنت الآن في مقدّمة النجوم، كلاهما كان ضحيّةً لتلك الحدود، وقرباناّ لنقطة الوصول؛ التي حتّمت على كل منهما أن يحرق سنين عمره خوفاً من التمرّد.

إذا أردتم التغيير؛ عليكم أن لا تخافوا، وأن تستعدّوا لدفع الثمن، فإنّه وإنْ كان غاليًا، لن يكون أغلى من ثمن الخوف.

عليكم أن توقنوا أنّ التغيير مغامرة لا تسير في خطوط الأمان، ولا تكون مجانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE